السبسي: من المساواة في الميراث إلى مدنية الدولة

إن قدر للسبسي النجاح في هذا المسار، فإنه سيكون أول رئيس ينجح في إسقاط إصلاح مجتمعي من خارج النص الديني في دولة لا تزال تعتبر نفسها راعية للدين ولمعالمه في البلاد.
الخميس 2018/08/16
تونس لا تبدو اليوم قادرة على هضم مشاريع السبسي بكل يسر وسهولة

اختار الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي حسم الجدل حول تقرير الحريات الفردية والمساواة وأساسا ما تعلق بمسألة المساواة في الميراث، من خلال الانتصار لخيار دفعه نحو المجلس النيابي للقطع النهائي في فصوله المثيرة للنقاش منذ لحظة ختم أعضاء الهيئة للتقرير وإحالته على أنظار الرئيس.

وبدفعه إلى المجلس التشريعي يكون التقرير قد تجاوز مرحلة التزكية والمصادقة من قبل الرئيس دون أي تعديل نصي يذكر، سواء على مستوى بنوده التفصيلية أو على مستوى فلسفة التشريع الذي انبنى عليها.

خلال خطابه الذي ألقاه الاثنين أمام لفيف من نساء الدولة والمجتمع المدني، كان السبسي واضحا أمام مقاربتين، الأولى متمثلة في تصوره للمساواة في الميراث كاستحقاق دستوري يتجاوز الخصوصية الثقافية أو الفصل الأول للدستور، وتتمثل الثانية في وضع حركة النهضة أمام مسؤولياتها في التعامل مع التقرير باعتبارها بيضة القبان في المجلس التشريعي.

ولئن خصّص السبسي جزءا معتبرا من خطابه لإقناع حركة النهضة بتعديل خطابها وسياساتها حيال التقرير عامة، وحيال فصل المساواة في الإرث خاصة، فلأنه متأكد من أنها قادرة على رفع الفيتو ضدّه وإجهاض مقاصديته التشريعية والاجتماعية.

ويكفي أنها قوّضت جهود السبسي الشخصية في محورين اثنين على الأقل، الأولّ في ما يخص المصالحة الاقتصادية، والثاني حول إسقاط حكومة يوسف الشاهد.

يدرك السبسي أنّ النهضة في 2018 ليست النهضة في 2013، فالحركة تجاوزت بشكل نسبي رُهاب السيناريو المصري واستطاعت أن تلملم جراح تأخرها في انتخابات 2014 بالانشقاقات الكبرى لحلفائها وخصومها، ومنحتها الانتخابات البلدية جرأة واضحة حيال النداء المنشق والرئيس السبسي.

كما يعرف أنّ النهضة التي ادعت “فصل الديني عن السياسي”، لا تزال بعيدة عن هذه المقولة بشكل عام، لا سيما إن تعلّق الأمر بقضايا النصّ الديني وسبل الاجتهاد ومسالك المقاصدية الفكرية أو ما يسميه الطاهر الحداد بما جاء من أجله الإسلام وليس بما جاء به الدين، لذا فإن استصراخه للنهضة هو في المحصلة تسجيل موقف للتاريخ وليس للحظة السياسية.

والتاريخ هو مطلب السبسي من التقرير، فيما راهنية اللحظة السياسية هي رهان باقي الأطراف السياسية التي اختار الكثير منها الرمادية في الموقف، فالسبسي مسكون بحلم دخول التاريخ وباستكمال ما لم يكمله المشروع البورقيبي في الإصلاح والتحديث.

فالحبيب بورقيبة توقف مشروعه التحديثي في محطتين اثنتين، الأولى في إقناع الرأي العام بالإفطار في شهر رمضان المعظّم إذا اقتضت ظروف العمل ذلك، والثانية في إدخال تحويرات على الميراث، أما السبسي فيبتغي أن يدخل تاريخ الإصلاحات في المنطقة العربية والإسلامية عبر البوابة الثانية وترك البوابة الأولى للحريات الخاصة.

ولئن عرف التاريخ العربي والإسلامي الكثير من المفكرين الإصلاحيين، فإن الرؤساء المصلحين التحديثيين يعدون على أصابع اليد، ومن هذه النقطة بالذات يريد السبسي أن تكون له الحسنيان، حسنى “التفكير” وحسنى “التحديث”، وفق تصوره دائما.

في المقابل لا يبدو أنّ تونس اليوم قادرة على هضم مشاريع السبسي بكل يسر وسهولة، لا فقط لأن أصواتا تشريعية وقضائية وسياسية ومدنية أيضا تندد بالمشروع وتعتبره مضادا لمفهوم الأسرة وفلسفة الاجتماع العائلي، بل أيضا وهو الأهم لأن منظومة الإصلاح المقاصدي وفق التفكير الزيتوني لا تسمح باستنبات هذا الإجراء من داخل المدونة النصية الدينية.

وتقديرنا أن توقف السبسي عند التأكيد على أن تونس دولة مدنية غير مرتبطة بالمرجعية الدينية، إنما يهدف في العمق إلى تحويل النقاش من جدل ديني حول مقاصدية النص وأسباب النزول ومقاربات الإصلاح الديني، إلى إقرار بالمدنية التامة والكاملة للدولة التونسية بما يعنيه هذا الأمر من فصل نهائي مع الدين، تشريعا وتقنينا على الأقل.

وبهذا التعديل يكون السبسي قد حوّر الجزء التأصيلي في تقرير لجنة الحريات، والذي سعى، أي الجزء، إلى شرعنة المساواة في الميراث عبر النصوص التأسيسية في الإسلام، وعبر الإشارة إلى أنّ الاقتراح لا يستمد شرعيته من داخل النص الديني بل من خارجه وهو ما عبّر عنه بـ”الدولة ذات المرجعية المدنية وليس المرجعية الدينية”.

ولئن نجح السبسي في إعادة تأثيث الحوار بعيدا عن النقاش الديني الذي يدرك أنه لن ينجح في استدرار مقولة “المساواة في الميراث” في أفضل الاجتهادات الاعتبارية، فإنه يعيد المجال العمومي إلى نقاش حاد حول العلاقة بين مدنية الدولة والإسلام وهو جدل اعتبرت النخبة السياسية أنها تجاوزته بعد المصادقة على دستور يناير 2014.

وإن قدر للسبسي النجاح في هذا المسار، فإنه سيكون أول رئيس ينجح في إسقاط إصلاح مجتمعي من خارج النص الديني في دولة لا تزال تعتبر نفسها راعية للدين.

صحيح أنّ السبسي يريد استكمال ما توقّف عنده الرئيس بورقيبة، وصحيح أيضا أنّ السبسي يحمل من بورقيبة الكثير من التوجهات المجتمعية والسياسية، ولكن الأصحّ أنّ هناك نقطتي اختلاف كبيرتين بين الرجلين؛ الأولى أن بورقيبة كان يتحرك داخل النص الديني وليس خارجه، والثانية أنّ بورقيبة أيضا كان يوظف صلاحيات النظام الرئاسي الأوحد المدعوم بالتأييد الشعبي الكاسح لتكريس الإصلاحات.

9