السبسي وترتيب الأولويات

الأربعاء 2017/08/23

دعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي للمساواة في الإرث بين الرجل والمرأة أثارت جدلا واسعا في صفوف التونسيين. عنوان أسال الكثير من الحبر وتصدّر جميع وسائل الإعلام المحلية منها وحتى العربية، وأثار لغطا كبيرا حيال مسألة خلافية بامتياز.

فلا حديث للتونسيين اليوم، بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم، سوى عن مبدأ المساواة بين الجنسين في الميراث وتمكين المرأة من حقها في الزواج بغير المسلم، واختلفت الآراء والمواقف بين مبارك لهذه الخطوة “الجريئة” و“الثورية” وفق البعض، وبين رافض لذلك معتبرا إياها (الخطوة) تطاولا على نص قرآني كان واضحا وصريحا في حسم هذه المسألة، مما أدخل المجتمع التونسي في نقاشات عقيمة أشبه بقضية من جاءت أولى البيضة أم الدجاجة؟

طرح الرئيس التونسي لمسألة شائكة تمسّ عنصرا فعالا في المجتمع التونسي لمزيد تمكينه من حقوقه كاملة وتفعيل دوره، لا يمكن سوى دعمه والمضي قدما في اتجاه تفعيل هذا المشروع، لكن المشكلة تكمن في توقيت إثارة هذا الملف نظرا لأن البلاد تمرّ اليوم بظروف عصيبة تفرض إعادة ترتيب الأولويات وفق ما تقتضيه مصلحة البلاد.

ففكرة المساواة في الميراث بين الجنسين حتى وإن كنا ندعمها، إلا أنها لا يجب أن تتقدم على قضايا محورية تنتظر حلولا عاجلة كتردي الوضع الاقتصادي وغلاء المعيشة وارتهان الدولة للخارج على خلفية الديون المتراكمة، إضافة إلى التحدي الأمني وهو الأبرز، فالعمليات الإرهابية التي استهدفت البلاد كان لها تأثيرها الكبير والعميق على قطاع السياحة، احدى ركائز الاقتصاد التونسي.

المواطن التونسي بحاجة اليوم إلى خطوات عاجلة وفعلية في اتجاه الإصلاح وبناء تونس الغد، فحملة الفساد التي أعلن عنها رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد وترجمت على أرض الواقع من خلال إيقاف بعض رجال الأعمال الذين تدور حولهم شبهات كانت لها أصداء إيجابية كبيرة في صفوف التونسيين الذين أعربوا عن دعمهم الكامل للدولة.

تونس في حاجة اليوم إلى خطوات مشابهة تمس جميع المجالات، وإلى إرادة سياسية قوية وجريئة من أجل الإصلاح ولن يتحقق ذلك إلا بتكاتف جميع الجهود حكومة وشعبا من أجل غد أفضل للبلاد.

ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك، بما أن الخطاب كان بمناسبة العيد الوطني للمرأة، كان من الأجدر الإعلان عن مجموعة قرارات تنصف المرأة الريفية الكادحة التي تعيش في ظروف صعبة وتدافع عن المرأة العاملة مقابل أجور متدنية مقارنة بالرجل والتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة.

هل فرغ ساستنا اليوم فعلا من حل جميع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تعاني منها البلاد ليتحدثوا عن مبدأ المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وهذا ليس تقليلا من أهمية المسألة في حد ذاتها.

ما يجب أن يستوعبه ساستنا هو أن التونسيين لم يخرجوا يومي 12 و13 يناير 2011 رافعين شعار التغيير في وجه النظام السابق من أجل تحقيق مبدأ المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، بل من أجل عدالة اجتماعية وتشغيل ومحاربة للفساد، ما هي حصيلة ست سنوات بعد الثورة؟ الأوضاع تزداد تدهورا على كل المستويات ومستقبل البلاد يزداد قتامة.

لقد سئم التونسي خطب ساسته الرنانة التي لا تمتّ للواقع بصلة ولا تخاطب تطلعاته وانتظاراته، وكأن هؤلاء (رجال السلطة) يعيشون في بلد غير الذي يعيش فيه شعبهم. ساسة انحصر دورهم في رفع الشعارات الخاوية، ويستعملون الشعب مطية للوصول إلى كرسي السلطة، سجناء صراعاتهم الضيقة في ما بينهم.

البلاد اليوم في حاجة إلى تشخيص دقيق ومدروس للوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني للوقوف على مقتضيات المرحلة والتسريع في الإجراءات الإصلاحية بإرادة سياسية قوية بعيدا عن المهاترات والحسابات السياسوية الضيقة.

صحافي تونسي

8