السبسي يربك النهضة بانفتاحه على القوى العلمانية

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يسعى لإعادة التوازن إلى الخارطة السياسية بالتوجه نحو التيارات العلمانية على حساب الإسلاميين لضمان نجاح الحكومة.
الخميس 2016/10/06
للسياسة أحكامها

تونس - تجتاح قيادات حركة النهضة وكوادرها المقربة من رئيسها راشد الغنوشي موجة من القلق على خلفية جهود يقودها الرئيس الباجي قائد السبسي للانفتاح أكثر على القوى العلمانية بهدف توفير حزام سياسي ديمقراطي لحكومة الشاهد يخفف من هيمنة الحركة على المشهد السياسي.

وقالت دوائر مقربة من النهضة فضلت عدم الكشف عن هويتها إن “قيادات الحركة، وفي مقدمتها الغنوشي، تتساءل عن الخلفيات والدوافع الأساسية التي تقف وراء فتح قصر قرطاج أمام سياسيين علمانيين ما انفكوا يجاهرون بعدائهم للنهضة بمن فيهم اليساريون الراديكاليون”.

ويبدو أن السبسي تحسس التداعيات السياسية المحتملة لغضب العديد من السياسيين لا فقط على صورته كرئيس لكل التونسيين وإنما أيضا على أدائه ومصداقيته وأيضا على أداء حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها يوسف الشاهد خاصة وأنه حريص على إنجاحها باعتبارها مبادرته الذاتية قبل كل شيء.

والتقى السبسي بسليم الرياحي رئيس الحزب الوطني الحر الغاضب وقبله أجرى سلسلة من اللقاءات مع عدد من قيادات حركة مشروع تونس في محاولة لتخفيف التوتر مع الحزب الذي يطالب بحزام ديمقراطي يضبط تحركات النهضة. غير أن اللقاء الذي لفت انتباه القوى السياسية هو الذي جمع الرئيس التونسي بمنجي الرحوي القيادي في الجبهة الشعبية اليسارية المعارضة لسياساته والتي تصف تحالفه مع النهضة بـ”دكتاتورية الأغلبية”. ولئن تم التكتم على الخلفيات التي دفعت بالرئيس التونسي إلى مد يده إلى أشرس معارضيه الذين يرى فيهم تطرفا أشد من تطرف الإسلام السياسي، فقد أفادت تسريبات بأن السبسي يسعى إلى طمأنة الجبهة الشعبية واستمالتها وامتصاص غضبها لتكون رافدا سياسيا له وللحكومة.

وليد الجلاد: مصلحة تونس تقتضي إعادة بناء الخارطة السياسية والنأي بها عن الاختلال

وينتظر أن يلتقي السبسي، بحسب الدوائر المقربة من الرئاسة، مع قيادات سياسية وممثلين عن الكتل البرلمانية بهدف المزيد من التشاور حول كيفية إعادة التوازن للخارطة السياسية ونسج حزام سياسي قوي يسند جهود يوسف الشاهد الذي تعهد بإجراء إصلاحات كبرى.

واعتبر هشام بن عمار، المحلل السياسي، أن الرئيس التونسي “يسعى إلى تمكين نفسه وتمكين حكومة الشاهد من حزام ديمقراطي خصم للنهضة”.

وقال “إن النهضة ترى في انفتاح رئاسة الجمهورية على القوى العلمانية الديمقراطية رسالة موجهة إليها بالذات مفادها أن السبسي لن يقبل بهيمنة النهضة على المشهد السياسي وأنه يسعى إلى تضييق الخناق عليها من خلال بناء قوة سياسية تتكون من خصومها”.

وتأتي جهود الرئيس التونسي في وقت تسود فيه المخاوف من أن يفقد الشاهد الإسناد السياسي اللازم مثلما حصل مع الحكومة السابقة في ظل ائتلاف حزبي حاكم غير متجانس.

وتندرج سلسلة اللقاءات التي يجريها الباجي قائد السبسي مع عدد من الشخصيات السياسية والمدنية، وفق دوائر مقربة من رئاسة الجمهورية “في إطار توفير حزام سياسي لرئاسة الجمهورية ولرئاسة الحكومة معا”، وقد شدّدت هذه الدوائر على أن السبسي بات أكثر اقتناعا بـ”ضرورة الانفتاح أكثر ما يمكن على مختلف القوى واستمالة الغاضبة منها”.

وأضافت أن “مؤسسة الرئاسة تعي جيدا الانتقادات التي تواجهها بشأن تداعيات تحالف السبسي مع راشد الغنوشي كما تعي أن حكومة الوحدة الوطنية لن يكتب لها النجاح المطلوب ما لم تحاط بحزام سياسي قوي لا فقط من الأحزاب المشاركة في الحكم وإنما أيضا من المعارضة والقوى المدنية”.

ويواجه قائد السبسي انتقادات من قبل سياسيين -بمن فيهم قيادات من نداء تونس الذي أسسه- على دعم نجله في قيادة شق داخل النداء ما أدى إلى اختلال المشهد السياسي.

السبسي يسعى إلى تكوين حزام ديمقراطي يكون دعما له ولحكومة الشاهد وخصما للنهضة

ويحمّل السياسيون السبسي مسؤولية ما يعتبرونه إقصاءً للمعارضة من المشاركة في إدارة الشأن العام في ظل تحالفه مع الغنوشي الذي لا يرى في القوى العلمانية سوى لفيف من الاستئصاليين.

ويرى وليد جلاد القيادي في حركة مشروع تونس أن مصلحة تونس تقتضي خلال المرحلة الدقيقة والحرجة “إعادة بناء الخارطة السياسية التونسية والنأي بها عن الاختلال من أجل توفير أكثر ما يمكن من حظوظ النجاح لحكومة الوحدة الوطنية على أساس قيم ومبادئ الجمهورية ودولة المواطنة”.

ولم تستبعد الدوائر المقربة من قصر قرطاج أن تقود لقاءات السبسي ومشاوراته إلى نوع من المبادرة السياسية في إطار جبهة ديمقراطية تتجاوز الأحزاب السبعة المشاركة في الحكومة لتشمل قوى سياسية معارضة وأيضا قوى مدنية بما يعزز طبيعة وأداء حكومة الوحدة الوطنية.

ورغم أن اللقاءات شملت أيضا راشد الغنوشي فإن المراقبين يقولون إن الحزام السياسي الذي بات يؤرق قائد السبسي يستبطن تدني الثقة في حركة النهضة بشأن مدى مصداقيتها في دعم الحكومة في ظل ارتفاع منسوب الغضب داخل التنظيم على قيادة الغنوشي التي اهتزت.

وتقر قيادات من حركة النهضة بوجود خلافات بين السبسي والغنوشي غير أنه كثيرا ما تم التقليل من شأنها.

4