السبسي يضيّق هامش المناورة على النهضة

رفض قانون المساواة سيثير غضب التونسيين على حركة النهضة وتبنيه يطيح بمرجعيتها الإسلامية.
الأحد 2018/11/25
حسابات الباجي تربك الغنوشي

تونس - وضع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي حركة النهضة التونسية في موقع صعب بعد إقراره عرض قانون المساواة في الميراث على البرلمان وسط توقعات بأن يتم التصويت لفائدته بنسبة عالية بين النواب.

وقال متابعون للشأن التونسي إن السبسي، الغاضب من فك النهضة للتوافق مع حزبه نداء تونس، وضع الحركة أمام خيارات محدودة تضيّق أمامها هامش المناورة، وأنها هذه المرة ستعجز عن الخروج من الورطة دون خسائر، مشيرين إلى أن وقوفها بوجه القانون سيجعلها تستعدي قطاعا واسعا من التونسيين، خاصة من النساء، فضلا عن اليسار والليبراليين ومنظمات المجتمع المدني والحركات النسوية ذات التأثير القوي.

ورغم تلويح قياديين من الوجوه البراغماتية بأن الحركة لن تصوت لفائدة القانون، لكنها لن تقوم بحملة لإسقاطه ولن تستعدي الطبقة السياسية والمثقفين والحقوقيين لأجله، فإن المراقبين يقولون إن إظهار الحركة تهاونها في معارضة القانون أو القبول به سيعني أن لا معنى لمرجعيتها الإسلامية التي تقدم نفسها من خلالها، وتحصل من ورائها على أصوات جزء من التونسيين.

وشدد عمار عمروسية النائب بالبرلمان عن كتلة الجبهة الشعبية (تجمع أحزاب يسارية وقومية) في تصريح لـ”العرب” على أن طرح مشروع قانون المساواة في الإرث على البرلمان سيكون بمثابة الاختبار الحقيقي لحركة النهضة التي تتظاهر نظريا باحترامها للحريات الفردية لكنها تجد نفسها عند التصويت على القوانين مجبرة على رفض كل ما يتعلق بحقوق الإنسان إما اقتناعا بذلك وإما خوفا من أنصارها.

وقال إن حركة النهضة ستجد نفسها في ورطة خلال الجلسة البرلمانية العامة المخصصة للمصادقة على مشروع القانون، وإن موقفها سيتسم بالحربائية، على خلفية ما تتظاهر به بالقطع مع ما هو دعوي وديني، لكنها تظل وفية لمرجعيتها الإخوانية.

راضية الجربي: الموقف من المساواة في البرلمان سيضع النهضة أمام امتحان حقيقي
راضية الجربي: الموقف من المساواة في البرلمان سيضع النهضة أمام امتحان حقيقي

وأكّد أن تمرير القانون يتطلّب أغلبية مطلقة أي 109 نوّاب من مجموع 217.

ومن الواضح أن القانون مجسّ مهم يأتي في الوقت الذي تبدأ فيه الاستعدادات لسنة انتخابية حافلة، وأن الرئيس التونسي سيسعى لتجميع القوى المدنية والحقوقية في جبهة جديدة للدفاع عن الدولة المدنية مثلما حصل في 2013 و2014.

وكان السبسي، أعلن في خطاب بقصر الرئاسة بقرطاج، بمناسبة إحياء العيد الوطني للمرأة في تونس (13 أغسطس)، “حسمنا موضوع المساواة في الإرث، ويجب أن تصبح المساواة قانونا”.

وأضاف أن “من يريد تطبيق أحكام الدستور فله ذلك، ومن يريد تطبيق أحكام الشريعة فله ذلك”، قبل أن يستدرك “لكن إن أراد المورّث تطبيق قواعد الشريعة في ورثته، فله ذلك”.

وقالت راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، إن النهضة ما زالت غير موافقة على المساواة في الإرث، وإذا لم توافق فستتحمل تبعات قرارها أمام الشعب التونسي أولا ثم أمام الرأي العام الدولي ثانيا، متسائلة كيف تزعم حركة النهضة أنها حركة مدنية ثم تسعى لتفعيل الجانب الديني وتحرم النساء من حقهن في المساواة.

وأضافت الجربي أن على النهضة أن توضح موقفها من هذه المسألة ومن الحريات بشكل عام وموقفها من العنف والتمييز ضد النساء وهل أنها ستقطع فعلا مع العقلية السائدة التي تضمر أن المرأة درجة ثانية وأن السلطة المالية والمعنوية عند الذكور، لافتة إلى أن الموقف في البرلمان سيضع النهضة أمام امتحان حقيقي.

ويقول مراقبون إن السبسي بهذه المبادرة سيعمل على اختبار جدية التحالف بين النهضة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، خاصة أن هذا التحالف كان وراء تمرير التشكيلة الوزارية الأخيرة التي أثارت جدلا واسعا في الساحة التونسية، فضلا عن تزامنه مع التصعيد القوي لاتحاد الشغل ضد خيارات الحكومة التي يصفها أغلب السياسيين بأنها حكومة النهضة.

ويشير هؤلاء إلى أن هذا التصعيد لا يأتي في وقت مريح للنهضة لأنه امتحان ثان في عز أزمة الامتحان الأول، وأن الاتحاد يمر إلى السرعة القصوى في مواجهة حكومة تبدو ضعيفة وبلا خيارات في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وسط توتر شعبي بسبب ارتفاع الأسعار وعدم توفر بعض المواد الاستهلاكية الحيوية في السوق.

ولم تحمل كلمة الشاهد أمس أمام البرلمان أي جديد يمكن أن يمتص الأزمة مع الاتحاد ومع قطاعات مؤثرة مثل قطاع التعليم الثانوي الذي يلوّح بتكرار أزمة العام الماضي.

وأقر رئيس الحكومة بوجود مشكلة تتعلق بتدني المقدرة الشرائية خاصة للعائلات متوسطة الدخل، وتدني الخدمات في قطاعات السكن والصحة والتربية والنقل، وعدم توفير دخل محترم للعائلات المعوزة، وبمشكلة البطالة المزمنة التي تجب معالجتها، مقدرا أن قانون المالية يقترح حلولا لمختلف هذه المشكلات التي هي نتيجة تراكم سنوات.

1