السبعاوي في رباعيته الروائية

قلق الكتابة الأدبية لم يفارق السبعاوي الذي اختار التركيز على تاريخ فلسطين وبلاد الشام منذ أيام الدولة العثمانية. ففي هذا السياق، استعاد أنماط الناس والولاة والحاكمين والأشخاص، وأوائل المستوطنين، والبيئات التي أراد وضعها تحت المجهر.
الأحد 2020/11/15
عبدالكريم السبعاوي أحد أعلام غزة

كانت “رابع المستحيل” هي الجزء الرابع والأخير من ملحمة عبدالكريم السبعاوي الروائية، التي غطت مئتي سنة من تاريخ فلسطين وبلاد الشام، وأطلق عليها الكاتب “رباعية أرض كنعان”!

روايات ثلاث سبقت تلك الرابعة، وهي “الغول” و”العنقاء” و”الخِل الوفي”. وعلى مر الزمن الروائي للأربع، ازدحم السياق بأسماء شخصيات متطابقة مع أخرى – ذات أسماء مغايرة – تعرف عليها الكاتب، أو سمع عنها من خلال ما كان يتداوله الكبار، واستنبط قديمها من التاريخ العثماني.

الجزء الرابع والأخير من ملحمة عبدالكريم السبعاوي الروائية
الجزء الرابع والأخير من ملحمة عبدالكريم السبعاوي الروائية

عبدالكريم السبعاوي مولود في غزة في حي التفاح القديم في العام 1942 وهو ابن الشيخ حسين السبعاوي الذي عرفته أحياء غزة القديمة، كأحد أعلامها. وعبدالكريم شقيق الشهيد عبدالمعطي، أحد ألمع ضباط منظمة التحرير وأرفعهم خُلقاً. وبحكم البيئة التي نشأ فيها الكاتب، وتجربته والمشاهدات التي اختزنتها ذاكرته منذ الطفولة؛ كان طبيعياً أن يُفضي بما في جعبته. فقد عمل محرراً في صحيفة “أخبار فلسطين” الأسبوعية الصادرة في غزة، لصاحبها زهير الريس، ثم التحق بالتشكيل العسكري الفلسطيني عشية حرب يونيو 1967 ثم انضم للفصيل الفدائي الذي شكله الجيش بُعيد الاحتلال، إذ جمعته صداقة قديمة مع الشاعر والقائد العسكري الفلسطيني ناهض الريس. لكن الكاتب حمل مشاهداته وذكرياته وغادر غزة مضطراً، ثم – بعد عُثار طويل – أوصلته الدروب إلى أستراليا، ليصبح بمثابرته وعصاميته، من كبار رجال الأعمال الذين حققوا نجاحاً لافتاً، ثم عادوا إلى وطنهم.

قلق الكتابة الأدبية لم يفارق السبعاوي الذي اختار التركيز على تاريخ فلسطين وبلاد الشام منذ أيام الدولة العثمانية. ففي هذا السياق، استعاد أنماط الناس والولاة والحاكمين والأشخاص، وأوائل المستوطنين، والبيئات التي أراد وضعها تحت المجهر، وأحضر الشخصيات التي أعطاها أدوارها في الروايات الأربع، وأنطقها باللهجة العامية الفلسطينية، دون أن ينسى فرز أنفار من بينها تصلح لحديث المساخر والأهازيج، والفكاهة المريرة التي صيغت بها حقائق السياسة، ومفارقات التاريخ، وحوادث الميدان!

 ولعل الفكرة التي احتلت قلب الرباعية الملحمية، في ناظر القارئ، دون أن تطرأ – ربما – على ذهن الكاتب نفسه؛ أن كل فلسطيني واسع الترحال والتجارب، ومر بأنواع من الناس والبيئات؛ سيكفيه محض الاستذكار، مع شيء من القدرة على وصف الشخصيات والحوادث، لكي يصبح راوياً شفوياً مُجيداً!

عندما اشتد ساعد السبعاوي في المغترب البعيد، أصبح يغشى بلاد الشام بين الحين والآخر، ليلتقي صديقه ناهض الريس – وقد تصاهرا – ثم تأبط تجربته الطويلة وما خطه قلمه، وقفل عائداً من مدينة ملبورن إلى فلسطين عندما أتيحت له العودة، لتمتد أحاديث الذكرى مع الراحل ناهض، ممزوجة بنفحات الشعر والرواية!

24