"السترات الصفراء" تقلب المعادلة: الدولة تتراجع أمام المحتجين

أوروبا الغربية تعيش منذ حوالي ربع قرن على ما تم الترويج له باعتباره "انتصارا" للأيديولوجية الرأسمالية على الأيديولوجية الاشتراكية، لكن يتكشف عاما بعد عام أنه انتصار الرأسمالية على قيم الديمقراطية داخل المجتمعات الغربية.
الأحد 2018/12/16
احتفالات الكريسماس بطعم الاحتجاجات

حملت الاحتجاجات على ضرائب الوقود في فرنسا عنوانا مبسّطا ومناسبا لوسائل الإعلام وهو “السترات الصفراء”، غير أن تحولها بسرعة إلى تظاهرات منظمة وحاشدة تضم ربع مليون شخص جعل العالم يأخذها بجدية بعد أن ظنها مجرد احتجاجات عابرة كما ظنتها الحكومة الفرنسية نفسها في البداية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خرج بخطاب بعد المظاهرة الكبرى الأولى، اعترف فيه بوجود مشكلة لكنه قال إنه لن يتراجع عن إقرار المرسوم. ولكن بعد المظاهرة الثالثة أعلنت الحكومة تعليق الضريبة. غير أن المتظاهرين لم يتراجعوا وفي اليوم التالي تم الإعلان عن إلغاء الضريبة تماما. أي أن الدولة هي التي تراجعت أمام المتظاهرين بدل تراجع المتظاهرين أمام إغراء الرضوخ الأوّلي للحكومة.

وأمس السبت، كان السبت الخامس من التظاهرات القوية حيث نزل طلائع محتجي السترات الصفراء مجددا إلى الشارع. ولم يعد من باب المبالغة الإعلامية أو الزخرفة الشكلية أن تعود قنوات الإعلام الفرنسية والعربية إلى إحياء ذكرى إحداث “انتفاضة الطلاب عام 1968” التي شملت الغرب كله من أوروبا إلى أميركا اللاتينية ومصر لكنها كانت أبلغ ما تكون في باريس، بحيث تشير الذاكرة اليوم إلى “أيار الفرنسي” عند الحديث عن انتفاضة الطلاب التي وصفها المفكر الفرنسي أندريه مالرو حينها بأنها “أعمق تظاهرات الحضارة”.

اضطر الإعلام الحالي إلى الاعتراف بـ”البعد الثالث” لتظاهرات السترات الصفراء، أي بعد العمق، وكان يمكن أن تظل، مثل مظاهرات سابقة، ذات بعدين سياسيين فقط هما البعدان اللذان يطبعان الأحداث منذ سقوط جدار برلين وتتويجه بشعار “نهاية التاريخ” كما لو أن كل ما يحدث يظل حدثا خاليا من التاريخ ومن الدلالة الاجتماعية.

لكن امتداد التظاهرات الحالية من فرنسا إلى بلجيكا وهولندا، تماما مثل انتفاضة الطلاب في 1968، وخروج البلجيكيين والهولنديين بسترات صفراء قد يكون الإشارة الأولى لظاهرة قد تمتد إلى دول الجوار القوية مثل ألمانيا وبريطانيا.

إلا أن الأهم هو أن هذه الظاهرة قد تعطي الإشارة لمجتمعات أوروبية ديمقراطية ضعيفة ومتعثرة تقع بين التقدم الأوروبي والفشل العربي مثل إسبانيا في أقصى الغرب واليونان في الشرق والتي تضع أوروبا الغربية بين قوسين بالإضافة إلى إيطاليا وسط أوروبا الغربية والتي تمثل “دولة فاشلة” بالمقاييس الأوروبية. وعندها ستكون هذه التظاهرات منعطفا لحقبة بدأت منذ انهيار الكتلة الشرقية وانتصار الأيديولوجيا الرأسمالية الوحيدة الباقية.

عالم ثالث خاص

Thumbnail

تقول مواطنة فرنسية لوسائل الإعلام في شوارع باريس، تعليقا على التظاهرات، “لم يعد لدى الشعب ما يخسره”، وهذا كلام يدهش أي مواطن من العالم الثالث كان يظن أنه هو وحده من ليس لديه ما يخسره. ومنذ العام 1991 كتب نعوم تشومسكي في كتابه “الغزو مستمر” بأن “لدى الولايات المتحدة عالما ثالثا خاصا بها شبيها بسياسات في العالم الثالث”. وجعل عنوان الفصل الأخير من الكتاب “عالمنا الثالث”.

تعيش أوروبا الغربية منذ حوالي ربع قرن على ما تم الترويج له باعتباره “انتصارا” للأيديولوجية الرأسمالية على الأيديولوجية الاشتراكية، لكن يتكشف عاما بعد عام أنه انتصار الرأسمالية على قيم الديمقراطية والضمان الاجتماعي داخل المجتمعات الغربية، أي أنه خيانة للشعوب الغربية في موازاة خدعة الانتصار المجاني الوحشي للرأسمالية على بلدان في العالمين الإسلامي والاشتراكي مهزومة مسبقا والتي، في الحقيقة، لم تعد تحارب الغرب.

هذه وقائع تحدث تباعا من خلال عجز شامل لدى القوى الاجتماعية الأوروبية عن تغيير مسار العولمة التدميري. فقد فشلت أوروبا، رغم إرادتها الصادقة، في دعم مسيرة السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل وتحقق الالتفاف على السلام والعودة إلى الصفر تقريبا كما فشلت في الحد من الهجوم الأميركي على العراق وأفغانستان وفشلت في وقف التلاعب السياسي بـ”الإرهاب الأصولي” الإسلامي وهو في الأصل “نظرية أميركية” عن صناعة تهديد دولي بعد انهيار الكتلة الشرقية.

قد يتفهم المراقب عجز البلدان الإسلامية عن وقف اللعبة الخطرة التي روّج لها مفهوم صموئيل هينتنغتون عن “صدام الحضارات”، لكنه يستغرب عجز مجتمعات ديمقراطية عريقة عن رفض جرها إلى ضغط أمني داخلي مستمد من الدعاية الدولية عن الإرهاب أكثر مما هو نابع من معطيات أو تحديات جدية.

إلى هنا فإن الموقف الأوروبي الشعبي هو موقف سلبي من سياسة تلقي بثقلها على البلدان الشرقية فقط، لكن الوضع لا يمكن أن يستمر بهذه السلبية لدى مجتمعات متطورة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا عندما تُلقي نفس السياسة بعبئها على المواطن الأوروبي.

كان من الممكن دائما توقّع أن الإشارة ستنطلق من فرنسا أولا إذا انقلبت الأمور عند نقطة معيّنة ضد مسار العولمة أو الليبرالية الجديدة التي تفرغ الليبرالية الأصلية والديمقراطية من مضمونهما. وكانت النقطة الفاصلة هي مرسوم الضريبة الجديدة على الوقود واندلاع تظاهرات السترات الصفراء.

لن يحدث تغيير للدول الأوروبية بين ليلة وضحاها ولكنها بداية تغيير للقوى الاجتماعية وإعادة استخدام لتعابير تم تصويرها لمدة طويلة على أنها تنتمي إلى عالم قديم انقضى مثل تعابير "الهوية القومية" و"التاريخ الوطني" وكذلك "عاشت الثورة" كما يصيح بعض المتظاهرين في شوارع باريس

من الطبيعي أن المتظاهرين لا ينتمون إلى أي حزب من أحزاب المعارضة ولا إلى النقابات، بحيث يصحّ التساؤل عن جدوى وجود نقابات طالما أن العمال والموظفين يتظاهرون دون استخدام هذه المؤسسات، مما يعني إدراك الشعب بأن السياسة أفرغت الديمقراطية من معناها في الوقت الذي يحاول اليسار واليمين الاستفادة من التظاهرات على حساب الحكومة بدل الانضمام للمتظاهرين.

تمارس الأحزاب، في الحكومة والمعارضة، سياسة لم تعد لها علاقة بالمجتمع كما لو أنها سياسة “تجريدية” يمكن حسابها بالأرقام والأصوات وليس بالمعاني أو المضامين الاجتماعية الشعبية. وهذا بحد ذاته دليل على عمق الحدث الفرنسي الجديد كحدث شبيه بالحدث التاريخي لمظاهرات الطلاب قبل نصف قرن.

وكما أن اعتراض الفرنسيين على ضريبة الوقود كشف بسرعة اعتراضهم على مرسوم سابق كان قد مرّ دون ضجيج وهو إلغاء الضريبة على الثروة، أي إعفاء الأغنياء من الضرائب وفرض الضرائب على الطبقات الفقيرة وهو مبدأ تعمد الدول الرأسمالية إلى تبنيه بعد انهيار الاشتراكية. فلم تعد أيديولوجيا الرأسمالية بحاجة إلى إظهار سمات منافسة طالما أنه لا يوجد منافس. كذلك فإن تصاعد الجدال السياسي حول المشكلات الحقيقية قد يكشف المشكلات المزيّفة والقرارات التي مرت وسط الركود السياسي السابق، وقد يفضح سياسات ليست الدول الغربية جاهزة الآن للتخلص منها مثل سياسات الإرهاب.

ويبدو من المألوف اليوم أن السلطات الأمنية في فرنسا تحذر من أن التظاهرات قد ينضم إليها متطرفون وقد تستفيد منها “مجموعات إرهابية”.

ولذلك على المتظاهرين الفرنسيين أخذ الحيطة من خلط احتجاجاتهم مع احتجاجات المهاجرين أو سكان الضواحي وفي حال حاولت السلطات خلط الاحتجاجات بالإرهاب أو التغطية عليها بحدوث “تفجيرات” يقوم بها أصوليون، فإن الشعب سيرفض أن تستخدم ضده “الخدعة” التي كانت عادة تستخدم ضد شعوب الخارج.

جهل حكومات العولمة

سيثبت من جديد جهل حكومات العولمة لما يدور في أعماق الشعوب وما يقر فيها من “معرفة صامتة”. فإحدى ناشطات السترات الصفراء خاطبت الرئيس ماكرون أثناء تواجده في شارع الشانزيليزيه لتفقّد أضرار التظاهرات قائلة، إن “حكومته هي التي أرسلت المخربين لتشويه تظاهراتهم”.

بينت الأحداث الأخيرة عدم توقع المسؤولين الحكوميين للتظاهرات رغم فداحة وضع الطبقتين المتوسطة والفقيرة في ظل الغلاء مما يدل على هزال سياسة الرئيس والحكومة ولكنها أيضا كشفت هزال أحزاب اليسار واليمين في ظاهرة تشبه ظواهر العالم الثالث. فهناك “حزب للرئيس” وأحزاب للمعارضة تمارس سياسة شبيهة بالديمقراطية دون أي مضمون مما يجعل طابع الحياة السياسية طابعا مزيّفا.

منذ نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند لم يعد الرؤساء أصحاب شخصيات سياسية قيادية أو ملهمة بل مدراء. أما ماكرون فقد أسس حزبا هو أيضا “حزب الرئيس” ليس له أي امتداد اجتماعي أو شعبي بل سياسي فقط ومع ذلك نجح في الانتخابات على حساب أحزاب المعارضة. لكنّ المتظاهرين اليوم يسمون ماكرون “رئيس الأغنياء” في مقابل أحزاب معارضة شبيهة بأحزاب المعارضة الانتهازية في العالم الثالث سواء حملت شعارات اليمين القومي أو اليسار الماركسي على الرغم من أنهم يستخدمون موضوعات متفجرة لكنهم يتراجعون إلى الصفوف الخلفية.

وبسبب هذا الزيف تعود إلى السطح مشاعر “العداء للسامية” في عدة بلدان أوروبية مع أن السياسات الحكومية كانت قد طوّرت العداء للعرب والإسلام كعداء “معلن” بديلا عن العداء “المكبوت” لليهود والأفارقة.

لن يحدث تغيير جذري للدول الأوروبية بين ليلة وضحاها ولكنها بداية تغيير للقوى الاجتماعية وإعادة استخدام لتعابير تم تصويرها لمدة طويلة على أنها تنتمي إلى عالم قديم انقضى مثل تعابير “الهوية القومية” و”التاريخ الوطني” وكذلك تعبير “عاشت الثورة” كما يصيح بعض المتظاهرين في شوارع باريس اليوم.

وفي حال تحقق توقع استلهام السترات الصفراء في فرنسا وتحول إلى ظاهرة أوروبية، فإنه لن يكون تكرارا ثانيا لتظاهرات الطلبة عام 1968 فقط ولا حتى تكرارا ثالثا لكومونة باريس في سبعينات القرن التاسع عشر بل تحولا جذريا رابعا منذ الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر. كان التغيير في أوروبا ينطلق من فرنسا وقد دعا بعض نشطاء السترات الصفراء للتوجه إلى موقع الباستيل، رمز الثورة الفرنسية، فيما يبدو كتظاهرة أخيرة من تظاهرات الحضارة الأوروبية على حد تعبير مالرو.

7