"السترات الصفراء" رفض لليبيرالية أم ظرفية محدودة

الفرنسيون ينتظرون إعلانا الثلاثاء من الرئيس ماكرون بشأن قرارات سيتخذها لتهدئة غضب السترات الصفراء، التي يبدو أنها أصبحت مخترقة من قبل اليمين المتطرف.
الثلاثاء 2018/11/27
طفح الكيل

استقطبت الاحتجاجات التي شهدتها باريس في الفترة الأخيرة أنظار العالم، فالعاصمة الفرنسية كانت لسنوات طويلة بعيدة عن مشاهد العنف والغضب الشعبي الذي يهز شوارعها.

باريس المعروفة بأنها مدينة الحب والرومانسية حولتها حركة “السترات الصفراء” إلى مدينة تشتعل بغضب الطبقة الفقيرة والوسطى. مشاهد العنف التي بثتها وسائل الإعلام نهاية الأسبوع الماضي كشفت بشكل واضح أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يواجه تحديا أكبر من حلمه بـ”إعادة تأسيس أوروبا” فالتعبئة الشعبية الكبيرة للتحركات ربما قد تكون جعلته يدرك أن استمراره في قصر الإليزيه بعد أكثر من عام على وصوله إليه بات على المحك.

الفرنسيون ينتظرون إعلانا الثلاثاء من الرئيس ماكرون بشأن قرارات سيتخذها لتهدئة غضب السترات الصفراء، التي يبدو أنها أصبحت مخترقة من قبل اليمين المتطرف. الشعارات المتطرفة لم تكن الوحيدة التي أثارت الجدل خلال المظاهرات، أعمال العنف التي وقعت على نطاق واسع أحدثت صدمة كبيرة لدى المتابعين في كل أنحاء العالم. لكن التعبئة التي تعرفها الحركة تقابلها حالة من عدم التنظيم الهيكلي رغم العديد من المحاولات التي باءت بالفشل، في ظل غياب قيادة واضحة لتحرك السترات الصفراء الذي بدأ حركة عفوية تعبر عن غضب شعبي من زيادة أسعار الوقود في فرنسا. المشاركون في التظاهرات التي تنظمها الحركة لا يعرفون من هم قادتهم ولا تعرف وسائل الإعلام المحلية بدورها هوية المتحدث باسم التحرك بعد أن استقال المتحدث السابق وأسس حركة احتجاجية جديدة. كل هذا الارتباك في تنظيم التظاهرة لا يخفي حقيقة أن الشارع الفرنسي يعيش حالة احتقان بسبب قرارات الحكومة وسياسات ماكرون التي يعتبرها المواطنون بعيدة تماما عن مشاغلهم اليومية لا سيما احتياجات الطبقة الوسطى، وينتقدون الرئيس الفرنسي على إعطاء الأولية في برامجه للقضايا الإقليمية والعالمية.

يقول البعض من المتابعين لتطورات الأوضاع في فرنسا إن الاحتجاجات الأخيرة تعمل على إعادة ماكرون إلى فرنسا بإجباره على إيجاد حلول للمشكلات المحلية التي تواجهها البلاد، وربما تفرض عليه أن يؤجل معاركه الخارجية، من قبيل سعيه لإعادة رسم أوروبا جديدة واشتغاله على ترميم تصدعات الناتو والحروب العسكرية والتجارية ومعالجة استتباعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتوقه إلى بناء جيش أوروبي، وقضايا المناخ ومحاربة الإرهاب وغيرها.

أنصار هذا الرأي يرون أن تواصل حركة الاحتجاجات طيلة أكثر من أسبوعين رغم افتقادها للقيادة السياسية الواضحة يشير إلى أن الدوافع العميقة تتجاوز مجرد رفض شعبي لقرار حكومي ذي طابع اقتصادي. هؤلاء يعتبرون أن التحركات الشعبية في فرنسا وفي بلدان أوروبية أخرى ليست سوى تداعيات سلبية للسياسات الليبرالية الأوروبية التي تعيش أزمة منذ عقود بمعنى أنها أثبتت حدودها ووجب البحث عن بدائل جديدة بالتوجه إلى مقاربات اجتماعية تقلل من التوحش الليبرالي.

الرأي المضاد لهذا الموقف يعتبر أن الأنظمة الأوروبية متماسكة ولا يمكن أن تتهاوى بسهولة كما حدث في البعض من البلدان العربية التي عاشت ما بات يعرف بـ”الربيع العربي”. أنصار هذه النظرية يستبعدون أن تكون الحركات الاحتجاجية المتنامية في أوروبا مماثلة للانتفاضات الشعبية في دول العالم الثالث، تحددها وتتحكم فيها عوامل وأسباب كثيرة متعلقة بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

أسباب عدم وجود نقاط التقاء بين الوضع في أوروبا والوضع في العالم العربي مثلا تكمن في أن الأنظمة الديمقراطية في أوروبا ليست وليدة البارحة، وقادتها ليسوا كزعماء دول العالم الثالث الذين وصلوا إلى الحكم بأساليب غير ديمقراطية بل هي أنظمة راسخة ومتجذرة في الثقافة الديمقراطية والحقوقية، كما أنها تحكم باسم الدولة ومؤسساتها منذ عقود من الزمن، وليس باسم أشخاص وولاءات مبنية على منظومات الفساد والاستبداد.

يؤكد هؤلاء أن الدول الغربية قادرة باقتصادياتها القوية وشفافية سياساتها الداخلية على إيجاد الحلول الناجعة لأزماتها، الأمر الذي يجنبها المصائر الكارثية التي وقعت فيها الأنظمة الهشة التي تتبع أساليب قمعية في التعامل مع الاحتجاجات.

للمزيد:

السترات الصفراء.. أعادت ماكرون إلى فرنسا

الحركات الاحتجاجية في أوروبا مجرد صيحات غضب

12