السجن ليس فضاء ترفيهيا

العقوبة السالبة للحرية كانت ومازالت تنفع في كل المجتمعات، ذلك أنها ـ وببساطة ـ تعلّم السجين قيمة الحرية عبر حرمانه منها.
الثلاثاء 2018/04/03
السجون ليست رياض أطفال

ثمة أمر لا يمكن الاستهانة به في تفضيل الشكل التقليدي المعتاد للعقوبة السجنية، وهو النظرة التي يبديها المجتمع في العالم العربي على وجه الخصوص، للسجين الذي يقوم بخدمات عامة كبديل لقضاء فترة محكوميته خلف جدران السجن، فبعض المحكوم عليهم بالسجن يرفض القيام بتلك الأعمال التطوعية كعقوبات بديلة خوفاً من “الفضيحة” كما يسميها.

وفي هذا الصدد، يقترح الكاتب السعودي خالد بن فائز الحقباني، مصطلح ” المتطوع” بدل عبارتي “المذنب” أو “المحكوم” الشائعتين، وذلك لأن “منهم من يفضّل المكوث في السجن لشهور عديدة على القيام بتلك المهام حتى وإن كانت خدمة للمجتمع” ويضيف الحقباني معللا “ليرتفع بذلك الحرج عن المحكوم، ويتمكّن من تأدية المهمة الموكلة إليه والتي فيها أولاً خدمة لهذا المجتمع الذي يرعاه ويحميه، وثانيا تكفير منه عن جنحة ارتكبها، حتى يتعلّم التحلّي بروح المسؤولية في الحياة”.

البدائل المقترحة، والتي لا تخلو فعلا من حس الابتكار، ولا يعوزها الجانب الإنساني هي في معظمها بدائل لا تتفق ولا تنسجم مع المجتمعات العربية. وإذا فكرنا في إمكانية تطبيق بعضها في السجون العربية فإن المشهد سيصبح كاريكاتيريا وضربا من ضروب العبثية، فلا المشرفون على السجون، ولا المساجين مقتنعون بمثل هذه البدائل التي لن تشبههم بالتأكيد.

لنتخيل العقوبة البديلة المتمثلة في أن يقرأ فيها السجين كتابا ثم يلخصه أمام لجنة من أجل التخفيف في مدة محكوميته.. لنتخيّل هذه “العقوبة الحميدة” في بلد لا يقرأ فيه الفرد سوى الفواتير وما يصله على شاشات الهاتف الجوال؟ ثم من سيفحصه في هذه اللجنة ومن يقترح عليه قائمة عناوين الكتب؟

وحتى البديل المتمثل في إنتاج الطاقة عبر رياضة الدراجات الهوائية الثابتة، والذي أثبت فعاليته النفسية وجدواه الاقتصادي في بلدان آسيوية وأوروبية، سوف يكون مدعاة للضحك والسخرية إذا ما تخيلنا حجم الغش والتلاعب داخل المؤسسة السجنية في الدول العربية.

القراءة كعقوبة بديلة، لنتخيلها في بلد لا يقرأ فيه الفرد سوى الفواتير ثم من سيفحصه في هذه اللجنة ومن سيقترح عليه قائمة عناوين الكتب

ليس الأمر دعوة للاستسلام والرضوخ للأمر الواقع، ولا نوعا من القنوط والمعاداة للابتكار والتطوير والتفكير الإيجابي، لكنه إقرار بأن المشكلة تتعلق بقضية هيكلية يجب لها أن تعالج من أساسها عبر التصدي لأسباب الجريمة أولا ثم معالجة المنظومات القانونية والأخلاقية إلى أن نصل إلى المقاربات الوقائية وطرق إصلاح المؤسسة السجنية.

العقوبة السالبة للحرية كانت ومازالت تنفع في كل المجتمعات، ذلك أنها ـ وببساطة ـ تعلّم السجين قيمة الحرية عبر حرمانه منها. الحرية جوهرة التاج في الفكر البشري ولدى الإنسان في كل العصور، وعندما تسلب من الفرد سوف يتحسس مكانتها بالتأكيد، وطبقا للمثل القائل “لا يعرف قيمة الواحات إلا من خبر الصحارى”.

يا حبّذا لو تقع الاستعاضة عن عقوبة السجن بعقوبات أخرى، بديلة ونافعة، لكن الأمر في غاية التعقيد والخطورة لأسباب متعددة، إذ كثيرا ما يستجار عن الرمضاء بالنار في عالمنا العربي في حالات سوء التقدير والتدبير ثم إن الذهنية السائدة تنظر إلى العقوبات البديلة عن السجن بمثابة الفسحة السياحية وتنظر إليها كحالة ضعف وترهّل في مؤسسات الدولة، وعندها سيقابلها المنحرفون بالمزيد من الجرائم.

عقوبة السجن ناجعة ويكاد لا يضاهيها بديل، شرط توفر الاهتمام والرعاية وتخصيص الإمكانيات والكوادر البشرية. وهذا الأمر ليس مستحيلا في دولة عربية ترسم الخطط الجيدة وترصد الأموال المطلوبة مثل الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، والتي تبدو السجون في إمارة دبي مبانيَ بالغة النظافة والجودة، وتحتوي على لوحات تثير التفاؤل والرغبة في التغيير، ففي إحدى الزوايا، يطل نيلسون مانديلا، من جدارية ترفقه عبارته الشهيرة “العبيد فقط يطلبون الحرية، بينما الأحرار يصنعونها”.

وفي هذا الصدد قال مدير الإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية، العميد علي الشمالي، للصحافة المحلية والعربية “ركزنا كثيرا على جانب الإصلاح، فهي ليست مؤسسات عقابية فقط، لذا وفرنا مكتبة ضخمة متصلة بمكتبة دبي العامة، وقاعة رياضية ترفيهية، ومرسماً، فضلاً عن ورش ضخمة لتعليم ميكانيكا السيارات، وكيفية إصلاح الزوارق”.

المبالغة في التماس الأعذار للمجرم أمر في غاية الخطورة، ويمكن أن يؤدي إلى نتائج وخيمة، إذ ينبغي التفريق بين الدراسات المعمقة لثنائية الجريمة والعقاب وما يمكن أن تفضي إليه من حلول ومقاربات تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية من ناحية، وبين الركض خلف حلول مبتكرة في بيئتها وقد لا تنفع بيئة أخرى، ويتم التعامل معها أحيانا كمكافأة وليس كعقوبة.

12