السجن يرحل معك في حقيبة سفرك ويقيم معك في دفء سريرك

الخميس 2013/11/14
"يذوب الأصدقاء في زحمة الدنيا ويتغيّرون"

تونس - زرت طرابلس في الربيع الماضي. وبعد جولة في المدينة العتيقة وفنجان قهوة في إحدى مقاهيها الجميلة، رحت أتأمّل زرقة سمائها بحثا عن معنى لـ"ربيع أمّة" بدا لي غائما وملبّدا ومزيجا في الحقيقة من الفصول كلّها، غير بعيد عن سور عثماني قديم ألقى من فوقه قائد -لم ينجح في حياته في قيادة شيء ما عدا قيادة نفسه وعائلته وشعبه إلى مأساة قد لا نجد لها نظيرا في أكثر التراجيديّات مأساويّة وعدميّة في تاريخ الإنسانيّة بأسرها- خطبة عصماء متسائلا: "من أنتم؟". خرجت وقد ضاق بي المكان أبحث عن نفسي في السؤال وأفتّش عنها في زخم أسئلة الهويّة المتشظية، من نحن؟ وإلى أين نحن ذاهبون وهائمون؟ لألوذ بمكتبة الفرجاني التي اقتنيت منها مجموعة من الكتب وعدت إلى غرفتي بالفندق وبدأت أقرأ كتاب "حكايات من البرّ الأنكليزي" الصادر مؤخرا عن دار "الفرجاني" في ليبيا.

لم تكن لي معرفة مسبقة بجمعة بوكليب؛ خلت أنّ الكتاب شبيه بـ"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح أو هو في أدب الرحلة التقليدي مثل "الساق على الساق" لأحمد فارس الشدياق الذي رحل عن لبنان في منتصف القرن التاسع عشر لاجئا إلى مالطة وفرنسا وبلاد الأنكليز هروبا من استبداد الشرق وظلم رجال دينه وجور حكامه وبلادة عقول عوامه وغفلتهم فإذا بي أكتشف كتابا لسجين سياسي أمضى عشر سنوات من زهرة شبابه وراء قضبان القذّافي قبل أن يهجر ليبيا وطرابلس، مدينة أحبّته وأحبّها وتغنّى بها ولم يبخل بأجمل عواطفه نحوها ولم يكفّ يوما عن الحنين إليها ولكن بعد خروجه من السجن، بل قل خروج السجن معه وبعد أن تغيّر هو وتغيّرت هي لم يعد يعرف أهلها ولا يعرفونه، فلم يجد بدّا من مفارقتها فيشدّ أحزمته ويقرّر الرحيل إلى لندن.

كتاب لسجين سياسي أمضى عشر سنوات من زهرة شبابه وراء قضبان القذّافي قبل أن يهجر ليبيا وطرابلس، مدينة أحبته وأحبّها وتغنى بها ولم يبخل بأجمل عواطفه نحوها ولم يكف يوما عن الحنين إليها


مرايا الغربة


يحدّثنا عن ذلك جمعة بوكليب ويحدّث نفسه في ضمير المخاطب "أنتَ"؛ "في البيت تظلّ وجودا غريبا. في الشارع تبدو نتوءا واضحا في ضوء النهار، يذوب الأصدقاء في زحمة الدنيا ويتغيّرون، تأكل قلوبهم الرتابة.

ثمّ يعنّ لك التساؤل عن جدوى البقاء والعيش في عالم لا يهضمك ولا تستسيغ مضغه. وقد تقرّر الرحيل ودخول تجربة مختلفة وقد تحزم أمتعتك وترحل ولكن السجن يرحل معك في حقيبة سفرك ويقيم معك في دفء سريرك أينما ووقتما حططت رحالك".

شدّني الكتاب إليه منذ صفحته الأولى التي ضمّنها المؤلّف أبياتا جميلة لمحمد صالح الفقيه وهو يروي سنوات سجنه العشر بقوله: "العدّ البطيء من واحد إلى عشرة: محاولة أولى لكتابة ما لم يُكتب".

وشدّني بوكليب ببيانه واستعاراته ومجازاته التي أكاد أجزم أنّه لا نظير لها في أيّ جنس من الأدب لم يجرّب صاحبه السجن والمنفى، بل السجن في المنفى والمنفى في الوطن؛ "كلّ لحظة في السجن تمتصّك بتوتّرها.. تحاول أن تختفي في الثواني".

الكتاب شبيه بـ"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح أو هو في أدب الرحلة التقليدي مثل "الساق على الساق" لأحمد فارس الشدياق

يقول جمعة: "أقرّ أنّني عندما وصلت إلى هذه الجملة اشتعلت رغبة في قراءة بقيّة الكتاب يومها وليلتها من ألفه إلى يائه من العدّ البطيء إلى آخر حكاية فيه "خطوط صغيرة في دفتر الغياب".

لم أغادر غرفتي بعد أن أسدل الليل ستاره إلاّ في ساعة متأخّرة أبحث عمّا أسدّ به رمقي غير أنّ مطعم الفندق أغلق أبوابه والخروج إلى طرابلس في تلك الساعة بحثا عن الأكل مغامرة غير محمودة العواقب، فما عادت طرابلس تلك المدينة التي يعرفها بوكليب وأعرفها ملائكيّة حامية وحاضنة هي بدورها تبحث عمّن يحتضنها ويرأف بحاله من أبنائها. لم أستطع ليلتها أن أنهي قراءة كلّ الكتاب بعد أن قفلت راجعا إلى غرفتي خاوي البطن ولكن مليئ العقل والفؤاد.

لقد خلت في البداية أنّ الحزن سيعتصرني بقراءة الحكايات الخمس وأربعين، حزنا جميلا على أيّ حال، غير أن بوكليب لا يتركك تحزن إلّا لتفرح و لا يتسبّب في رقرقة دمعة في عينيك تحبسها جاهدا في مقلتيك إلّا ليتسبّب في انفراج بسمة بين شفتيك، فيضحكك وقد يذهب أبعد من ذلك إلى أن يجعلك تنفجر ضاحكا لوحدك.

تبتسم عندما يحدّثك في "يا همّ العمر" عن الصبيّ الذي اقتفى خطواته في طرابلس مناديا يا حاج يا حاج مذكّرا له بسنوات العمر التي مرّت، ولربّما كان على الصبيّ أن يناديه "با حويج" تصغيرا للحاج لعلّها تكون أسهل تقبّلا عليه وأقلّ إشعارا بالتقدّم في السنّ، علما وأنّ العرب الوحيدين الذي يصغّرون الحاج تصغيرا عاطفيّا وتربيجا له هم الليبيون على حدّ علمي، وهو أمر طريف يدلّ من جملة ما يدلّ على علاقتهم التلقائية اللّطيفة بالمقدّس.

تبتسم كذلك وهو ينقل لك في "حكاية تبحث عن عنوان" ما يجدّ حوله في حافلة لندنيّة قصّة غيرة عمياء أنكليزيّة جعلت امرأة تتهم زوجها الجالس حذوها بأنّه يسترق النظر إلى امرأة تجلس أمامهما -وقد يكون المسكين ينظر ولا يشاهد شارد العينين- فتكيل له شتيمة مقذعة "يا سافل" يقول فيها بوكليب إنّها انطلقت من حنجرتها كرصاصة اخترقت جدار الصمت المخيّم في الحافلة قبل أن تنعته بابن العاهرة، وتصفه بالوغد وبالكلب وأن تسأله عن السبب الذي يجعله يعجب بامرأة كالكلبة الجرباء مثله. وقد تسترسل في ضحك لا نهاية له وأنت تقرأ قصّة الكاتب في لندن مع الحاج منصور القادم في زيارة إلى ابنه والذي نقل لنا تعليقاته الساخرة على ما رآه من عجائب وغرائب كتشبيهه لمشرّد أنكليزي في الشارع كان يرتدي قبعة سوداء ويتصفّح جريدة وحذوه كلبه قائلا "تقول مدير في مكتبه ناقص يخدّم معاه سكرتيرة".

الدعابة والسخرية


لم تغتل سنوات السجن ولا الغربة في كاتبنا روح الدعابة والسخرية بل زادتها عمقا؛إنّ العواطف النبيلة والعظيمة -كما يقول الكاتب الفرنسي الشهير "شاتوبريون" وهو يصف محنة إشرافه على الغرق في مياه المتوسّط غير بعيد عن سواحل ليبيا ذات شتاء من سنة 1806- هي التي تولد في المحن الكبيرة. وتجربة جمعة بوكليب الإنسان والأديب لا تشذّ عن هذه القاعدة .

ماذا عن المنفى


أفقت في الصباح وغادرت الفندق متجوّلا في شوارع طرابلس الجميلة التي أحببتها صغيرا وهي التي لا تبعد عن مدينتي الحدوديّة التونسيّة أكثر من مئتي كيلومتر. من هنا قلت أكثر من مرّة لنفسي مرّ جمعة طفلا وقبل السجن وبعده.

في المساء كان لي لقاء في قرقارش مع عمر الككلي أحد أصدقائه والذي كتب "النفق والعنقاء". كان اللقاء مع عمر ممتعا ورائعا لا ينسى لا يقلّ إمتاعا ومؤانسة عن كتابه "سجنيات" سأعود إليه في مقال قادم. عدت إلى تونس أحمل معي كنزين ثمينين، بحيث وجدت في كتابي جمعة وعمر مادة خصبة لدراسة المكان واللّامكان أنتروبولجيّا انطلاقا من نظريّة الأنتروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه، ولكن السؤال الذي يحيّرني هو: هل السجن مكان أم لامكان؟ ومــاذا عن المنفــى؟

14