السجن يقضي على فرصة الحياة في مجتمعات لا ترحم

تجمع الدراسات على أن السجن يخرج من الجانحين أكثر مما يستقبل، وأنه يضر المجتمع أكثر مما يفيد.
السبت 2018/08/18
كل الأصناف في زنزانة واحدة

تونس - تبقى السجون، التي تُؤوي جميع أصناف البشر في آن واحد، القاسم المشترك ما بين الدول العربية.

في تونس يصنّف سجن برج الرومي في مدينة بنزرت، كأسوأ السجون سمعة، بحسب المنظمات الحقوقية التونسية، التي وثقت المئات من حالات التعذيب، والاحتفاظ غير الشرعي بالمساجين، وخلط المساجين مختلفي الاتهامات ببعضهم.

وفي العراق اكتسب سجن الكاظمية الواقع في الضاحية الشمالية من العاصمة بغداد شهرةً أكبر وأسوأ بكثير من سجن أبوغريب. فلطالما عرف السجن، بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، بكونه “المكان الذي يختفي فيه العراقيون”. الأمور في السجن سيئة إلى درجة قيام مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بوصف الوضع في السجن على أنه “مثل التعامل مع الحيوانات في المسلخ”.

 

ما بين مثلين شعبيين الأول يؤكد أن “الحبس للرجال”، والثاني يصف خرّيج السجن بـ“فأر حبس”، تبرز تمثلات المجتمعات للسجن وخريجيه. تلخص الأمثال عالما موازيا رسمت له من الخارج صورة نمطية عن الردع لأناس أخلّوا بالقواعد المجتمعية فاستوجب ذلك إبعادهم عن المحيط، انتهت صلاحيتهم بالنسبة للمجموعة ويجب ضبطهم في مكان عالي الأسوار.

وفي وصف لسجن طرة المصري يقول العميل الاستخباراتي الأميركي السابق روبرت باير “إذا أردت تعذيب أحدهم، أرسله إلى سوريا. أما إذا أردته أن يختفي، فأرسله إلى مصر”. وتحديداً، إلى سجن طرة الواقع في ضواحي القاهرة.

ويعتبر سجن رومية أكبر السجون اللبنانية، إذ يحتوي على عدد كبير من السجناء، أكثر بكثير من إمكانية استيعابه.

ومن سجن تدمر في سوريا الذي فجّره تنظيم داعش، يروي سجناء سابقون أن “الداخل مفقود والخارج مولود”، هي العبارة التي كتبت على أبواب السجن.

عدوى الأشقياء

يروي أحد الكتاب الفرنسيين في كتابه “المراقبة والمعاقبة” قصة ولادة السجن قائلا “من التعذيب في ساحة المدينة، ووسط الجماهير المتلذذة بكل لذائذها الصاخبة والخفيّة، ومن التعذيب بفسخ اليدين، والرجلين، وتقطيع اللحم والعظم، بكل الأدوات الأركيولوجية والمستحدثة، إلى تعذيب آخر موصوف بالهادئ والناعم، بسجن روح هذا الجسد”.

لكن هل سجن روح الجسد كفيل بإصلاح الأشخاص؟ هل تُصلح السجون الناس أم أنها أداة سلطوية لا علاقة لها بالثواب والعقاب؟

تحمل السجون غالبا لافتات كتب عليها “مركز إصلاح وتأهيل” وهو الاسم الرسمي لها لدى المؤسسات الحكومية، ولكن السجن في الدول العربية لم يكن في يوم كذلك، ويميل مفكرون إلى أن العقوبة لا تصلح المخطئ، وأن قيمة السجن وأهميته لحماية المجتمع من تهديد بعض الناس دون أن تكون مصلحة السجناء هي الهدف المعتبر.

يقول سامي (30 عاما) “لم أكن أعلم أن جلسة مع أصدقائي احتفالا بنجاحي في البكالوريا ستحطم حياتي، كانت سيجارة زطلة كفيلة بسجني لمدّة عام كامل وراء القضبان”، ويضيف “عندما خرجتُ لم أستطع الالتحاق بدراستي، أصابني اكتئاب حاد حول مجرى حياتي.. عندما أفقت منه فقدت نفسي لقد عدت إلى السجن مرارا وتكرارا بسبب المخدرات والسرقة”.

ينقسم السجناء عادة إلى فئتين: فئة دخلت السجن بسبب إحدى الجرائم كالقتل أو السرقة وما إلى ذلك من الجرائم التي تستحق عقوبة طويلة الأمد، وهو ما يسمح لهم بالحصول على تكوين داخل السجن لكي يحاول السجين إصلاح حياته وأخطائه ويحصل على مورد رزق بعد الخروج من السجن، وفئة مثقفة كانت تشغل مناصب محترمة داخل المجتمع وقادهم حظهم السيء إلى السجن إما بسبب إصدار شيك دون رصيد وإما بسبب “جونتة” زطلة.

في الدول المتقدمة تصدر عقوبات بديلة على هذا النوع من المجرمين بفرض أعمال اجتماعية أو اعتقالهم في منازلهم باستعمال نظام مغناطيسي يوضع على المعصم غير أن هذه الأدوات المستعملة في تطبيق هذا النوع من الأحكام غير مفعّلة في معظم الدول العربية فيتم الزج بهم وسط المجرمين ويتعايشون معهم لأوقات طويلة حتى تصبح تصرفاتهم تحمل شيئا من الإجرام، لأن السجون توفر المناخ الملائم لتكوين مجرمين وجانحين، فيخرجون أكثر خطورة مما دخلوا عليه، وأول ما يحاولون فعله بعد الخروج من السجن هو مواصلة حياتهم كما تركوها لكن للأسف المجتمع لا يقبلهم.

أغلال لا تكبل الانحراف
أغلال لا تكبل الانحراف

ويؤكد خبراء أن السجن هو أحد الأشكال الأساسية لردود الأفعال الاجتماعية، وهو يسبب العدوى بين الأشقياء في داخله. وتجمع الدراسات على أن السجن يخرج من الجانحين أكثر مما يستقبل، وأنه يضر المجتمع أكثر مما يفيد.

ويذهب خبير إلى القول “قد تتحدث عنه كتب التاريخ بعد مئة سنة كشيء فظيع ارتكبته الإنسانية بحق نفسها كما نتحدث الآن عن العقوبات والتعذيب التي كانت تمارس بأسلوب رسمي مقنن على أنها عقوبة وعلاج للمذنبين”.

لا أحد يتغير بالقوة

رغم أن السجن يعتبر في الثقافة العربية مرتعا للفاسدين ومن يدخل إليه يحكم عليه بالتهميش، لكن التجارب أثبتت أن السجناء من الممكن أن يتحولوا إلى أفراد صالحين فهناك من تمكّن من الانطلاق من التجربة السجنية لتغيير حياته.

وتقول فيفيان ستيرن،‏ مديرة الجامعات الدولية البريطانية في كتابها خطيئة ضد المستقبل السجن في العالم “لا أحد يمكن أن يعيد تأهيل شخص آخر بالقوة.‏ فالتغيير يجب أن ينبع من داخل المرء وأن يكون هو راغبا فيه”.‏

إن أحد المفاتيح الأساسية لإصلاح السجناء فعليّا هو تعليمهم وتغيير قيمهم ووجهة نظرهم.‏ ودون شك،‏ يوجد أشخاص صادقون يبذلون جهودا دؤوبة لتعليم السجناء ومساعدتهم.‏ والعمل الجيّد الذي يقوم به هؤلاء الأشخاص والذي يُظهِر اهتمامهم بالآخرين يقدِّره فعلا العديد من السجناء.‏ قد يحاجج البعض من الناس أن نظام السجن ككل هو أصعب من أن يُصلَح وأنّ إمكانية تغيُّر السجناء صعبة جدا في مثل هذه البيئة.‏

وحسب الباحث الاجتماعي المغربي إدريس آيت لحو، تقبل السجين داخل المجتمع مرتبط بثقافة الفرد وبمعاييره الاجتماعية، وبالتالي فهو رهين بتحوّلات اجتماعية عميقة، ولهذا يطرح آيت لحلو تساؤلا حول مدى توفر الشروط الاجتماعية والنفسية والرمزية داخل المجتمع المغربي حتى يأخذ بجدية قضايا إدماج السجناء السابقين؟ شروط لن تتوفر حسب رأيه إلا بالرجوع إلى المخيّلة الثقافية الجماعية السائدة.

ويستطرد الباحث الاجتماعي موضحا “من الضرورة تتبّع مسار السجين قبل أن يدخل السجن، ثم في السجن، ثم بعد قضاء فترة العقوبة. أكاد أقول إن الأمر سيستحيل إذا لم تتوفر هذه الشروط المرتبطة بمفهوم “الإدراك الكلي”. مؤكدا أنه إذا كان المجتمع يرفض السجن كمؤسسة فبالتالي، من البديهي القول إنه يرفض السجين أيضا.

وهنا يوضح آيت لحو أنه يوجد فراغ في ما يتعلق بالمؤسسات المجتمعية التي تساعد السجين على الاندماج.

إن “المجتمع لا يرحم”، تقول حليمة (52 عاما) لا يرحم الظالم أو المظلوم فمجرد دخول السجن ولو لشهر واحد ولو كان المتهم بريئا فإن المجتمع لا يبرؤه أبدا ويحمّله لقب سجين طوال حياته. أما إذا كان المتهم فعلا مذنبا فإن المجتمع ينفر منه بعد خروجه من السجن مهما اختلفت الدوافع التي رمت به خلف القضبان وهذا ما يضاعف من إحباط السجين ويجني على مستقبله.

تشير العديد من الدراسات إلى أن المجتمع يتكبّد عبئًا اقتصاديًا بسبب السجون.

وتقترح هذه الدراسات، ضرورة وجود بدائل للتخفيف من استخدام السجن، ووجود تدابير بديلة للأحكام الاحتجازية، خاصةً لمن يقضون مدة عقوبة قصيرة، مثل أن تصدر السلطات أحكامًا تتمثّل في عقوبات شفوية مثل التوبيخ، والإنذار، أو إخلاء السبيل المشروط، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية والجزاءات النقدية، كالغرامات، أو الأمر بمصادرة الأموال ونزع الملكية، أو الأمر برد الحق إلى المجني عليه، أو تعويضه، أو الحكم مع وقف النفاذ، أو الوضع تحت الإشراف القضائي.

20