السجون تتحول إلى كتاتيب في تركيا

الأربعاء 2016/01/20
حان وقت ارتداء الجلباب والطاقية

أنقرة - تنظيم مسابقة ودروس تثقيفية في السجون التركية فكرة يمكن أن تحظى بالإعجاب لأنها تعمد إلى تثقيف فئة من المجتمع ارتكبت مخالفات قانونية جعلتها تقضي فترة عقوبة سجنية. الإعجاب يعود إلى الأهداف التي تقوم عليها هذه المسابقة فهي تنشر العلم والمعرفة في السجون لتؤهل المساجين للاندماج بسهولة في المجتمع بعد خروجهم من السجن وتسلحهم بالعلم. لكن عندما تحصر المسابقة في الجانب الديني وتكون إسلامية بحتة فإن السؤال المطروح يكون لماذا تم اختيار محاور دينية وإسلامية فقط لهذه المسابقة؟

تثقيف المساجين عبر دروس وحلقات نقاش وندوات داخل السجون من المفترض أن يكون خاضعا لبرنامج تكوين شامل يجمع العلوم الصحيحة والعلوم الدينية والسياسية والاجتماعية والفنون ولم لا التكوين المهني؟ والغاية من ذلك أن تتحسن مستوياتهم التعليمية والثقافية وأن تتحول الفترة العقابية إلى فترة تعلم يكتسبون من خلالها مؤهلات تسهل عليهم إيجاد عمل بعد الخروج من السجن لأنه يعد أولى خطوات الاندماج الاجتماعي.

غير أن المسابقة التي تنظمها رئاسة الشؤون الدينية التركية بالتعاون مع وزارة العدل تتمثل في اجتياز امتحان في المعلومات والثقافة الدينية ينتظم آخر شهر مارس المقبل في صفوف المحكومين في السجون التركية، وذلك بعد تلقيهم دروسا دينية حول القرآن الكريم والثقافة الدينية، بالإضافة إلى تنظيم حلقات نقاش وندوات وتوزيع كتب السيرة النبوية والعقيدة الإسلامية للاستعداد للامتحان.

هذه المسابقات والامتحانات التشجيعية تأتي ضمن خطّة وزارة العدل في دمج السجناء في المجتمع حيث ذكر بيان سابق للوزارة أن السجن ليس للاعتقال وتطبيق العقوبة فحسب، بل هو مكان للتعليم والتثقيف وممارسة الأعمال المهنيّة من أجل إعادة دمج السجناء في المجتمع من جديد.

الملاحظة الأولى هي أن الأهداف المعلنة في هذا البيان لا تتماشى وواقع الحال، فبرنامج الدروس المنظم للمساجين يضم فقط دروس القرآن والسيرة النبوية ولا يشمل الأعمال المهنية المشار إليها، بل إن المسابقة بكل تفاصيلها وجوائزها ليست فيها إشارات لمضامين دروس تشمل بقية المجالات التعليمية والتثقيفية.

الملاحظة الثانية نسوقها مع التأكيد أن التثقيف الديني يهم المساجين ويساعد في تأهيلهم نفسيا، لكن هل يؤدي القائمون على إعطاء الدروس الدينية مهامهم بحياد؟ وهل يقدمون دروسا دينية للتثقيف فحسب أم أنهم يتجاوزون هذه المهام للعب دور أيديولوجي يتمثل في التأثير على المساجين وكسب تأييدهم لصالح الحزب الحاكم والحكومة؟

الوزارات المعنية والجهات الرسمية لم تنشر تفاصيل عن مسابقات أخرى تهم بقية القطاعات العلمية والثقافية

هذا ما يحيلنا على أن السجون التركية تتحول من مؤسسات إصلاحية عقابية إلى مؤسسات تخدم أجندة سياسية معينة تستهدف حشد مؤيدين ومناصرين للحزب الحاكم يتم أدلجتهم وتأطيرهم فكريا. ووجدت الحكومة التركية ووزراؤها الإسلاميون هذه الطريقة التي تمكنهم تحت عنوان تثقيف وتكوين المساجين لدمجهم في المجتمع من دخول مدرسين، تختارهم بطريقتها التي لا توجد أي معلومات عن مراحلها وشروطها، ليتمكنوا من دخول السجون والاجتماع بالمساجين وإلقاء دروسهم التي تتضمن مواضيع معدة في قالب ديني لغرس أفكار بعينها تخدم أهدافهم الحزبية وحساباتهم السياسية وهو ما يكشف سعي الحكومة التركية لاستغلال كل خندق في الدولة لتجنيد المساندين للحكومة والحزب.

ولم تنشر الوزارات المعنية والجهات الرسمية أي تفاصيل عن مسابقات أخرى تهم بقية القطاعات العلمية والثقافية، كما لم تصدر توضيحات عن كيفية اختيار مقدمي الدروس الدينية ولا عن مضامين الدروس والبرامج المقدمة لهذه الفئة الاجتماعية بل اكتفت بالإعلان عن تنظيم مسابقة إسلامية في السجون التركية، وتحدثت صحيفة خبر تورك المحلية عن تفاصيل الجوائز حيث قالت إن الجوائز تنقسم إلى قسمين؛ الأول خاص بالثلاثة الأوائل على مستوى جميع السجون التركية والجائزة هي رحلة عمرة، وفي حال كان السجين حكمه أكثر من عامين أو لا يود الذهاب يحقّ له تقديمها لأحد أقاربه، والقسم الثاني خاص بالثلاثة الأوائل على مستوى كل سجن حيث سيحصلون على جائزة مالية، بالإضافة إلى جوائز خاصة بتمديد مدة الزيارة لأسرة السجين، وزيادة عدد الاتصالات المسموح بها.

تبدو هذه الجوائز محفزة للمساجين من أجل المشاركة في هذه المسابقة لكنها تبقى جوائز مادية لا تتعدى أسوار السجن، فهي لا تشمل فتح آفاق للسجين تعيد له الأمل في المستقبل أو تمكنه مثلا من شهادات تكوين تسهل له الحصول على عمل لما لذلك من أهمية في حمايته من العودة إلى السجن.

جدير بالذكر هنا أن فئة المساجين ليست قليلة العدد في تركيا لذلك يمكن للحزب الحاكم والحكومة الرهان عليها لكسب نسب جديدة من المؤيدين، وقد نشرت وكالة جيهان التركية تقارير في شهر أغسطس الماضي تتحدث فيها عن تسجيل تركيا أرقاما قياسية في عدد المعتقلين والمساجين، إذ وصل عددهم إلى 170 ألفا و300 معتقل إلى حدود شهر يوليو 2015، بعد أن كان 59 ألفا و429 معتقلا خلال عام 2002.

وأصبحت السجون تغص بالمحكومين في ظل الحكومات المتعاقبة لحزب العدالة والتنمية، حيث بلغ عددهم ما يقرب من 3 أضعاف ما كان عليه قبل توليه السلطة، بالرغم من تشييد 94 سجنا جديدا منذ عام 2002، ومن المقرر أن يتم افتتاح 207 سجون آخرين خلال السنوات الخمس المقبلة.

12