السجون فضاء خصب لتفريخ الجهاديين في غفلة من الحكومات

الاثنين 2015/02/16
سجن أبو غريب العراقي حوله الاحتلال الأميركي إلى مصنع لإنتاج التشدد والإرهاب

لطالما عمدت التنظيمات الجهادية إلى ابتكار طرائق مختلفة ومتنوعة لنشر أفكارها المتشددة واستقطاب عناصر جديدة إلى صفوفها، شأن استغلالها لفترات الاعتقال من أجل بث التطرف في أذهان السجناء الآخرين، ممّا حوّل العديد من السجون إلى مواطن لتفريخ الإرهابيين. أساليب أضحت تستوجب وعيا شاملا بخطورتها، خاصة أنّها أصبحت تسهل للإرهابيين تنفيذ عملياتهم من خلف أسوار السجون.

شهدت صناعة الإرهاب على أيدي الجماعات “الجهادية” في منطقة الشرق الأوسط وسائل وأساليب جديدة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، موازاة مع تقنية مكافحة الإرهاب من قبل الوكالات الاستخبارية، وارتكزت على استغلال ظروف السجن والقهر أكثر من الأيديولوجيا لكسب مقاتلين جدد وأنصار للتنظيم. وكالات الاستخبار وإدارات السجون هي الأخرى ساهمت كثيرا في تنامي قوة هذه الجماعات وتمددها، لتصل إلى مستوى “إمارة” سجون.

كما تتحمل الحكومات المسؤولية القانونية في ذلك، خاصّة في منطقة الشرق الأوسط، كونها تترك هذه الجماعات تدير نشاطاتها واتصالاتها داخل السجون لتصل إلى إدارة العمليات، وتتحمل المسؤولية أكثر من خلال إطلاق سراح البعض منهم وعدم إخضاعهم للمراقبة أو إعادة التأهيل، وهي إجراءات لا تتماشى مع مفاهيم مكافحة الإرهاب، وفق ما تنصّ عليه علوم الاجتماع ومكافحة الإرهاب.


سجون العراق بؤر لتفريخ الجهاديين


نشرت صحيفة “نيويورك تايمز”، تقريرا بعنوان “كيف ساعدت الولايات المتحدة داعش”، أشار إلى أنّ مقاتلي هذا التنظيم الذين ظهروا في العراق وسوريا لا يشكلون قوة جديدة بعد أن أمضى كثير منهم سنوات في مراكز الاحتجاز التي أدارتها الولايات المتحدة وشركاؤها في العراق بعد عام 2003.

نقص الخبرات في إدارة السجون يلعب دورا في تفريخ الجهاديين وتنامي أعدادهم وتحول السجون إلى بؤر لصناعة الإرهاب

وأضاف التقرير، أنّ زعيم التنظيم، أبا بكر البغدادي، قضى ما يقرب من خمس سنوات في سجن معسكر “بوكا” بجنوب العراق. وكان معظم كبار قادة “داعش” أيضا من السجناء السابقين، ومن بينهم أبو مسلم التركماني، وأبو لؤي، وأبو قاسم، وأبو جورناس، وأبو شيما وأبو سجى. وقد ذكر سجناء سابقون في شهاداتهم أنّ سجن “بوكا” جنوب العراق كان “مدرسة تنظيم القاعدة”، حيث قدّم فيه “الجهاديون” دروسا حول المتفجرات وتقنيات التفجير الانتحاري للسجناء الأصغر سنًّا وتمكنوا من تجنيد أعداد من السجناء، وربّما يعود ذلك إلى ظروف الاحتجاز والقهر وروح الثأر أكثر من التجنيد الأيديولوجي والعقائدي.

ويلعب نقص الخبرات في إدارة السجون والمعتقلات والتعامل مع السجناء دورا في تفريخ “الجهاديين” وتنامي أعدادهم، لتتحول السجون إلى مدارس لـ “الجهاديين” وصناعة الإرهابيين. وقد أظهر تقرير أميركي أنّ أغلب قيادات تنظيم “داعش” كانوا معتقلين في السجون التي كانت تشرف عليها الولايات المتحدة في العراق، ما يشير إلى حقيقة الدور الذي لعبته الإدارة الأميركية في تنامي هذا التنظيم المتطرف ودعمه، خاصة أنّ سجناء التنظيمات “الجهادية” في معسكر “بوكا” كانوا يرغمون المعتقلين على الإنصات لخطبهم التي تدعو إلى “الجهاد”.

كذلك فقد كشفت التجارب التي سبقت عمليتي سجني أبو غريب والتاجي عن تورط مسؤولين كبار وقادة ميدانيين ومسؤولين في الحكومة العراقية وسياسيين من الخط الأول مقابل استلام مبالغ مالية ضخمة.


خلايا "جهادية" داخل سجون فرنسا


ذكرت وسائل إعلام فرنسية أن عنصرا جهاديا يعرف باسم “شريف”، يبلغ من العمر 32 عاما، كان قد سجن عام 2008، وكان يعرف لدى الشرطة منذ زمن بمشاركته في الأنشطة المسلحة الّتي تقوم بها جماعات “جهادية”. كان “شريف”، الذي يعرف أيضا بـ “أبي حسن” عضوا في ما يعرف بـ “خلية بوت شومون” التي ساهمت في إرسال “جهاديين” للقتال مع تنظيم القاعدة في العراق بعد الاحتلال الأميركي البريطاني لها عام 2003. وكانت الشرطة قد ألقت القبض عليه عام 2005 وهو يهمّ بالصعود إلى متن طائرة متوجهة إلى سوريا. وذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أنه، وفي الفترة التي تلت سجنه بين يناير 2005 وأكتوبر 2006، كان على صلة بـ “جمال بيغال” الذي أصبح فيما بعد يشرف على نشاطه. وكان قد حُكم على بيغال بالسجن لمدّة عشر سنوات في فرنسا عام 2001 لمشاركته في التخطيط لتفجير السفارة الأميركية في باريس.

سجون أوروبا تشهد عمليات تفريخ للجهاديين الذين وسعوا نشاطهم لتصل إلى إرساء شبكات عمل تدار من الداخل

هذا المثال وغيره الكثير يفيد بأنّ سياسة فرنسا كانت غير صحيحة في مقاربتها الإصلاحية داخل السجون من خلال الزج بكل السجناء (من قضايا مختلفة) في زنزانات موحّدة تجمع بين كل أصناف المجرمين من إرهابيين وقضايا الحق العام، ممّا أسهم في تحول تلك السجون إلى بؤر إرهابية.

رافايلو بانتوتشي، مدير دراسات الأمن الدولية للخدمات المتحدة في لندن، يقول إنّ السقوط في فخ التطرف في السجن هو أمر خطير ووارد، ويحدث أن يسجن أناس بشكل فردي ويلتقون في السجن مع متطرفين ينقلون إليهم أفكارهم ومعتقداتهم المتطرفة، مشيرا إلى أنّ سجون أوروبا تشهد هي الأخرى اليوم عمليات تفريخ لـ “الجهاديين”، الذين وسعوا نشاطهم ليصل إلى إرساء شبكات عمل تدار من داخل السجون، ملفتا إلى أنّ إدارات السجون في أوروبا تتحمل مسؤولية ذلك من خلال خلط السجناء المتورطين في جرائم جنائية صغيرة مع كبار السجناء المتورطين في عمليات إرهابية واسعة، مما يسمح لهم في الغالب بتكوين علاقات صداقة حميمة فيما بينهم تتواصل حتى بعد الإفراج عنهم إثر قضاء سنوات الحكم.

وتعتبر ساحات السجون مكانا خصبا تلتقي فيه عناصر الجماعات المتشددة ببعضها البعض، حيث أنّ إدارات سجون أوروبا تخرج السجناء يوميا، مرّة أو مرّتين، إلى باحة السجن لغرض التشمّس والمشي، وهو ما يستغله الجهاديون للتنسيق فيما بينهم. ورغم الرقابة فإنّ الفساد أيضا يضرب بعض السجون الأوروبية من خلال إدخال الهواتف للسّجناء، وهو ما يسمح كذلك للجماعات الجهادية بالاتصال الخارجي، هذا بالإضافة إلى أنّ عددا من حراس السجون يتم استغلالهم لنقل الرسائل إلى الفضاء الخارجي مقابل مبالغ مالية.


"إمارة" داخل سجن لبناني


سجن رومية في لبنان، يحتوي هو الآخر على مئات المعتقلين “الجهاديين”، الذين شكلوا غرفة عمليات لهم تحتوي على أجهزة تكنولوجية للاتصال، مكّنتهم من التواصل مع المكنى بـ “أبي بكر البغدادي”، زعيم تنظيم “الدولة الإسلامية”، وأبي محمد الجولاني، زعيم تنظيم “جبهة النصرة”، حيث خططوا معهما لعمليات انتحارية واغتيالات تستهدف مناطق وشخصيات في كلّ من لبنان وسوريا. والمفارقة أنّ المبنى “باء”، في سجن رومية، سيطرت عليه هذه الجماعات ومنعت أيّ حارس من الاقتراب منه وإلّا يلقى حتفه مباشرة، وقد شكلوا فيه محاكمهم وأصدروا فيه أحكام الإعدام والغرامات والجلد. حيث أضحى المبنى “باء” حتى مطلع يناير 2015 إمارة داخل سجن رومية. وكانت الأجهزة الأمنية اللبنانية قد كشفت وجود ارتباط وتنسيق بين أحد الانتحاريّين اللذين فجرا نفسيهما في جبل محسن بطرابلس خلال شهر يناير 2015، ومجموعة معتقلة في السجن المركزي، كما كان فرع المعلومات قد وضع خطة لاقتحام السجن، بهدف إنهاء “إمارة المبنى باء”.

وفي أعقاب ذلك اتخذت سلطات الأمن اللبنانية إجراءات عزل بحق السجناء الخطرين داخل سجن رومية، في محاولة منها لمنع عناصر التنظيمات “الجهادية” من توسيع شبكات تواصلهم، ومن أبرزهم الأردني “أبو تراب” الذي كان بمثابة زعيم السجناء والموقوفين في المبنى “باء”.

على الحكومات أن تكون واعية بأنّ سياسات إعادة تأهيل السجناء تبدأ من داخل السجون


سجون مصر واليمن


شهدت اليمن ما بعد عام 2006، عمليات هروب جماعية لقيادات القاعدة من سجن الأمن السياسي وسجون أخرى. وقد كشفت التحقيقات أنّ قيادات القاعدة المعتقلين كانوا يديرون عملياتهم عبر الاتّصال من داخل سجن الأمن السياسي، والبعض منهم كان يتمّ إخراجه لفترة قصيرة بالاتفاق مع إدارة السّجن ليعود مجدّدا في وقت لاحق.

وقد كشفت العديد من التقارير أنّ التنظيم تمكّن من اختراق إدارة السجن وبعض الضباط في الأمن السياسي، للتّمكن من القيام بعمليات تجنيد وتخطيط واتصالات من داخل سجون عديدة في اليمن.

سجن طرة، وهو معتقل سياسي وسجن جنائي مصري يقع جنوب القاهرة، ضمّ هو الآخر على مدى فترات تاريخية سابقة عددا كبيرا ومتنوعا من عناصر التيارات السياسية، وأصنافا عديدة من المجرمين، وتمّ استغلاله لنشر الأفكار الجهادية المتطرفة، ومن بين نزلائه السابقين والحاليّين عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين المحظورة والعديد من الجماعات المتشددة الأخرى، من أبرزهم طارق وعبود الزمر.

خلاصة القول، تحتاج الحكومات إلى اعتماد سياسات تخضع لمعايير الشفافية وحقوق الإنسان داخل السجون والمعتقلات، كما أنّه عليها أن تكون واعية بأنّ سياسات إعادة تأهيل السجناء تبدأ من داخل السجون وتتواصل إلى ما بعد انتهاء فترات الحكم، باعتماد المناصحة الفكرية وتوفير فرص العمل ومساعدة السجين على العودة إلى المجتمع كمواطن سويّ بإشراف خبراء في علوم النفس والاجتماع والقانون وجلّ المعنيين بحقوق الإنسان.

6