السجون ورشات لصناعة المتطرفين في العواصم الأوروبية

تصطدم المخططات التي ترسمها العواصم الأوروبية لمحاصرة التطرف والقضاء على كل محاولات تجنيد رعاياها للتنظيمات الإرهابية، بعمل مواز ومكثف تقدم عليه تلك التنظيمات المتطرفة لاستقطاب الشباب الأوروبيين في أكثر من مكان.
الأربعاء 2016/10/12
نحو تطرف أكبر

لندن - ينظر إلى السجون الأوروبية على أنها أحد تلك الأماكن الأكثر تفضيلا لدى التنظيمات الإرهابية لزرع أيديولوجياتها في صفوف النزلاء، مستثمرة في ذلك عددا من العوامل أبرزها العامل النفسي.

وذكر مركز أبحاث بريطاني في تقرير نشر الثلاثاء أن السجون في أوروبا أصبحت “أرضا خصبة” للجماعات الجهادية، حيث يرى البعض من المجرمين في التطرف العنيف شكلا من أشكال التكفير عمّا ارتكبوه.

وذكر المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي في تقريره الذي درس شخصيات من الجهاديين الأوروبيين تم تجنيدهم منذ 2011، أن نشوء تنظيم الدولة الإسلامية ساهم في تقوية الرابط بين الجريمة والإرهاب.

وأضاف أن تنظيم الدولة الإسلامية، وبدلا من أن يتوجه إلى الجامعات أو المؤسسات الدينية، فإنه يتحول بشكل متزايد إلى السجون والطبقات الدنيا لتجنيد أشخاص لهم ماض إجرامي.

وتقول الدراسة التي حملت عنوان “ماض إجرامي، مستقبل إرهابي: الجهاديون الأوروبيون والروابط الجديدة للجريمة والإرهاب”، إن السجون توفر إمدادات جاهزة من “الشبان الغاضبين” الذين نضجوا للتطرف.

وقال مدير المعهد بيتر نيومان، وأحد معدي التقرير، إن الفواصل بين الجريمة والجماعات الجهادية تكاد تختفي، وأضاف أن “السجن أصبح مهما بوصفه مكانا يحدث فيه الكثير من التواصل”.

وتابع “نظرا إلى الزيادة الأخيرة في الاعتقالات والإدانات المرتبطة بالإرهاب.. نحن على قناعة بأن السجون ستصبح أكثر أهمية كأرض خصبة لحركة الجهاديين”.

ويرى رئيس المركز الدولي لدارسة التطرف والعنف أن الجنوح إلى التطرف أصبح أسرع لأن “العديد من هؤلاء الأشخاص أدينوا بجرائم عنيفة، لذا فإن القفزة نحو التطرف العنيف ليست كبيرة جدا”.

إليزابيث تروس: سنكافح انتشار الأيديولوجيا السامة خلف القضبان

ورأت الدراسة أن التجنيد في السجون يسمح للجهاديين بالاستفادة من “المهارات القابلة للانتقال” بما في ذلك الخبرة في الأسلحة والتمويل الذاتي من خلال الجريمة.

وقام باحثون من المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، ومقره جامعة كينغز بلندن، بتحليل شخصيات 79 جهاديا أوروبيا لهم ماض إجرامي، من بلجيكا وبريطانيا والدنمرك وفرنسا وألمانيا وهولندا، وجمعيهم إما سافر للقتال أو تورط في مخططات إرهابية بأوروبا.

وفي السنوات الخمس الماضية توجه نحو خمسة آلاف أوروبي إلى الشرق الأوسط للقتال في صفوف جماعات جهادية مثل تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام (النصرة سابقا)، بحسب التقرير.

ويذكر أن 57 بالمئة ممن شملتهم الدراسة كانوا في السجون قبل أن يجنحوا إلى التطرف، فيما 27 بالمئة على الأقل ممن أمضوا عقوبة في السجن وجنحوا نحو التطرف وهم خلف القضبان.

ويرى الباحثون أن الجهاد بالنسبة إلى البعض هو نوع من أنواع “التكفير” عمّا ارتكبوه. ونقل التقرير عن علي المناصفي، وهو بريطاني سوري من لندن قاتل في سوريا بعد أن أمضى عقوبة في السجن إثر إدانته بارتكاب هجوم عنيف، قوله “أريد أن أقوم بعمل صالح لمرة واحدة. أريد أن أقوم بشيء طاهر”.

وبحسب نيومان، فإن نتائج التقرير تشير إلى تحول في طريقة عمل تنظيم الدولة الإسلامية. وقال “نعتقد أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يعد يطمح في أن يكون منظمة عقائدية جدا. هو يجسد الوحشية والنفوذ والقوة التي يبحث عنها هؤلاء الشبان الذي كانوا غالبا أفراد عصابات”.

وأضاف “أنه يقول لهم يمكنكم مواصلة القيام بكل الأشياء التي كنتم تفعلونها في السابق، لكن الآن يمكنكم دخول الجنة”.

وتحاول البعض من الدول الأوروبية وضع استراتيجيات لمواجهة هذه الظاهرة، إذ كشفت فرنسا مثلا الشهر الماضي عن خطط جديدة لبناء 33 سجنا جديدا، فضلا عن تجديد المنشآت القديمة في محاولة منها لتخفيف التكدس الذي يقول مسؤولون إنه يوفر مناخا مواتيا لتحول السجناء إلى التشدد.

بيتر نيومان: السجون ستصبح أكثر أهمية كأرض خصبة لحركة الجهاديين

ويقول المركز الدولي لدراسات السجون، إن فرنسا تحل في المرتبة الثالثة من حيث تكدس السجون في أوروبا وتظهر الأرقام الرسمية أن هناك 68253 سجينا، بينما تكفي الطاقة الاستيعابية 58587 سجينا فقط.

وهناك نحو 325 سجينا يعتقد أن لهم صلات بجماعات إرهابية. وهناك نحو 1400 سجين آخرين نجح متطرفون في تجنيدهم للمشاركة في القتال ضمن جماعات متشددة.

وتمس القضية وترا حساسا في فرنسا التي شهدت هجمات دموية لمتشددين بما في ذلك على العاصمة، ونفذ البعض من هذه الهجمات أشخاص سبق لهم أن سجنوا في سجون البلاد. ويتطلع المسؤولون إلى أن يساعد التوسع الجديد في السجون الذي يبدأ العام المقبل في الحد من المشكلة.

وفي بريطانيا قررت الحكومة الصيف الماضي عزل الإسلاميين المتشددين في السجون ونقلهم إلى “وحدات خاصة” لمنع سيطرتهم على بقية السجناء والتأثير عليهم وتجنيد عناصر متطرفة جديدة تهدد الأمن العام بعد خروجها من السجن.

وكانت السلطات المعنية قد اكتشفت نفوذ تلك “الجماعات” وقدرتها على نشر التطرف بين السجناء الآخرين.

واعتبرت وزيرة العدل البريطانية إليزابيث تروس أن “المتطرفين الإسلاميين يمثلون خطرا على المجتمع وتهديدا للأمن العام”. وأضافت أنه “يجب إلحاق الهزيمة بهذا الخطر أينما وجد”.

وتعهدت تروس بـ”مواجهة ومكافحة انتشار الأيديولوجيا السامة خلف القضبان”.لكن منتقدين لخطط الحكومة يعتقدون أن وحدات العزل الخاصة قد تتحول إلى بؤر للتطرف، إذ ستتيح لأخطر المتشددين تبادل الأفكار وإنشاء شبكات بما يعد تكرارا لذات الأخطاء التي ارتكبت في أيرلندا الشمالية في الثمانينات، حين تمكن السجناء من طرفي النزاع من تنظيم صفوفهم داخل السجون.

وتبقى الاستراتجيات الرسمية التي تقوم أساسا على البعد الأمني عاجزة وفقا لخبراء أمنيين على الحد من انتشار ظاهرة التطرف وسط النزلاء، إذ يتطلب الأمر وفقا لهؤلاء مقاربات أشمل تولي الجوانب الدينية والنفسية والاجتماعية مكانتها المطلوبة.

5