السجين الفلسطيني والزوجة الإسرائيلية والشريط الشائك

الأحد 2013/08/25
الكاتب يصور معاناة الأسرى في السجون الإسرائيلية

بقدر كبير من الواقعية، يكتب عصمت منصور، وهو السجين الذي من المقرر أن يتحرر هذه الأيام، روايته الثانية "السلك" (صدرت مؤخرا ضمن منشورات الرصيف، رام الله)، محددا مكان الكتابة في "سجن عوفر المركزي"، وزمانها "شتاء 2012"، ويُهديها "للآخر على الضفة الأخرى للسلك، الدين، الأيديولوجيا، للوجه الآخر لذات الحكاية". شخوصها ومكان حوادثها، فلسطينيون يتحركون ما بين غزة ورام الله وأراضي فلسطين المحتلة عام 1948 وسجونها، والكثير من حوادث هذه الرواية مستوحى من تجارب واقعية تخص أشخاصا حقيقيين، قاموا بسرد مقاطع من سيرهم الذاتية وذكرياتهم الحميمة.

عصمت (36 عاما)، معتقل منذ العام 1993، عقب قتله مستوطنا صهيونيا، وهو عضو القيادة المركزية للجبهة الديمقراطية، صدرت له رواية بعنوان "سجن السجن" (نيسان 2011 عن منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية)، ومجموعة قصص بعنوان "فضاء مطلق" (عن دار أوغاريت، رام الله)، لذا تراه يكتب بتلك الواقعية، وبذلك الوعي السياسي المنتمي إلى فصيل فلسطيني، دون أن يتخلى عن أدواته الفنية لكتابة الرواية سردا وتقنيات كما يليق بعمل روائي يمزج الواقعي بالمتخيل، مبتعدا عن التوثيق والتسجيل، ولكنه ينتمي إلى "أدب السجون" في جانب منه.

رواية السجين الثانية

روايته الأولى "سجن السجن" كانت عن تجربته في سجن بئر السبع 2009، وهي رواية الأسرى، معاناتهم وبطولاتهم في تفاصيل المواجهة مع السجان والظّلام، حيث يسرد أشكالا من مواجهة ظروف السجن وسياسات الطمس، بأدوات السجين الإنسان والمناضل وإيمانه بعدالة قضيته". يقول الكاتب عن السجن وسياسات السجان "هنا يسجنون السجين، يسجنون الظل، دون أن يدركوا أن هذا يحرره من أبشع أسر، لأن الأسير ينتصر في اللحظة التي يدرك فيها أن أحلامه غير سجينة، وذاكرته كذلك". كما أن كتاباته القصصية والنثرية تشكل شاهدا على بشاعة الاحتلال، وتضيف تجربة جديدة للأسرى الذين يشكلون شهودا على تجاربهم ومقاومتهم، فإذا بالسجن الذي أقيم لكسر إرادة الإنسان وتجريده من آدميته، يعمل على دعم إرادة التحرر لديه.

في الرواية الجديدة، يُعرّف "البطل" نفسه منذ البداية، مع إقدامه على اجتياز "السلك" الحاجز بين غزة وبين الأراضي الفلسطينية المحتلة المدعوة بدولة إسرائيل، كما يكتب في وصيته "أنا وليد الغزاوي، أوصي في حال عدم عودتي أو وفاتي لعبد الله القعيد مبلغ ثلاثين شيكلا، فأنا لا أريد أن ترزح روحي تحت وطأة الحاجة المشلولة في العالم الآخر". والرواية بقدر ما هي رواية وليد، فهي أيضا رواية غزة وتحولاتها، بل ربما "مسخها" كما تحاول الرواية أن تقول.

استدان وليد هذا المبلغ ليهرب من غزة إلى "الداخل"، و"كان الأفق مظلما كجوف لا متناهٍ.. البحر بساط ريح.. سيحملني إلى هناك، وحدي كنت هناك.. ضئيلا.. متعبا، كانوا في انتظاري.."، لتنتهي الرواية باعتقاله الأخير، بعد عدد من الاعتقالات لدى الإسرائيليين مرة، وفي سجون دولة "حماس" مرات. "السلك" هنا حاجز يفصل غزة عن "إسرائيل"، ويعبره الفلسطينيون في ما يشبه المغامرة، هربا من ظروف غزة القاسية على الصعد المعيشية والسياسية، أو ليطلبوا عملا في الدولة المعادية، أو ليعبروا نحو رام الله لاجئين إلى السلطة هناك. وفي الأثناء، يطوف بنا الروائي، عبر "البطل- وليد" وعدد من الشخوص الروائية، في غزة، بدءا من شاطئها والمخيم الذي يحمل اسم الشاطئ، متنقلا في أنفاقها وسجونها ومساجدها وسرايا حكومتها، مرورا بمدينة الرملة وأساليب التخفي والهروب وأنواع العمل التي يمارسها الفلسطيني "الوافد"، وانتهاء بالسجن.

من بين الشخصيات الأشد معاناة في الرواية، إلى جانب "البطل"، تبرز شخصية والده المهجّر من قريته عام 1948 ووالدته الثكلى باستشهاد ابنها الشاب، وبإعاقة ابنها الآخر، وبزوجها الذي "فقد عقله"، ثم شخصية عبد الله القعيد، أستاذ التاريخ السابق، والمدرس في مدارس وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين في مخيم الشاطئ، من معاناته مع كرسيه ذي العجلات، وتوقيفه عن التدريس، انتهاء باعتقاله ومحاولة تشغيله ليكتب التاريخ كما يريدون. وأخيرا شخصية نتالي، المرأة العربية - الإسرائيلية، صاحبة البيارة التي يعمل فيها وليد، والوحيدة التي أحبها وعاشرها في علاقة عشق حميمة، وزارته في اعتقاله الأخير، ثم فجأة تزوجت، وكتبت له رسالة جاء في نهايتها "أنها أحبته ولكنها بقيت تشعر أنه تعامل معها كعاهرة، وأن العمال في البيارة يرون بها يهودية، وأن "دان" (اليهودي) كان يرى بها عربية خطيرة.. وأنها تريد أن تعيش حياتها فقط.. حياتها هي".

رواية تتطلب قراءات عدة للغوص في مضمونها وتكويناتها

رواية تتطلب قراءات عدة للغوص في مضمونها وتكويناتها، والمواقف التي يتبناها مؤلفها، وإن كان يضعها في حوارات بين شخوصها، خصوصا حول عالم أنفاق غزة، وحرب فتح وحماس، وما جرى في الأثناء من تحولات في بنية هذه المدينة، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، حيث "لم يعد في غزة معنى للبطولة، ولا قيمة للتاريخ. موجة قوية حولت كل حياتنا السابقة إلى ما يشبه الزبد، مسحت معها سيرة الناس وتاريخها وقصصها، جرفت معاناتها وتضحياتها والثمن الذي دفعته عبر عقود. إذا كان لكل حرب رائحتها، رائحة الدم والدمار، واللحم الآدمي، رائحة الخوف والذعر والجوع. فإن حرب الأخوة لها رائحة خاصة ومختلفة ومذاقها المر، إن لها رائحة الشك والتوجس والندم واللايقين".

في نهاية الرواية، يعلن المؤلف أنه يجد نفسه "مدينا بالشكر لزملائي الأسرى وأصدقائي الذين آمنوا أن شذرات من معاناتهم الخاصة، يمكن أن تشيّد حكاية واحدة تروي بعض تفاصيل حقبة نود جميعا نسيانها.. وإذا كان لا بد من تذكرها وعلى الأقل دون أن تغيب عن واجهتها قسمات ووجوه من كان يعيشها.."، ويشكر الأستاذ الروائي المعروف سلمان ناطور الذي "اعتمدت على أجزاء كاملة من كتابه "ستون عاما – رحلة في الصحراء" / الصادر عن دار الشروق للنشر والتوزيع 2009".

13