السحابة السوداء تنعش ثقافة ديكور المخلفات الزراعية على تخوم القاهرة

"ميت كنانة" في مصر تتحول إلى موطن لصناعة المشغولات الفنية المصنوعة من نبات الحناء في شكل مظلات تستعمل على الشواطئ وفي المنتجعات السياحية والحدائق.
السبت 2018/09/15
صناعة بلا تعقيدات آلية

الكسل يحوّل بقايا المحاصيل الزراعية إلى نفايات يسهل حرقها لتلوّث الهواء والأجواء، لكن الأفكار الخلاقة والإبداع يحوّلان نفس المحاصيل إلى مشغولات فنية وديكورات فريدة تزين الفنادق والشواطئ؛ قرية “ميت كنانة” المتاخمة للقاهرة تصبح مع كل صيف خلية عمل وورشة ابتكار للرجال والنساء والأطفال.

 القليوبية (مصر) – تعاني مصر في سبتمبر من كل عام أزمة مع موسم حصاد المحاصيل الصيفية بالمحافظات الريفية بسبب المخلفات التي يتم حرقها في ساعات متأخرة من الليل داخل الحقول مكونة ما يسمى بـ”السحابة السوداء”.

وتحولت منطقة “ميت (مئة) كنانة” بمحافظة القليوبية المتاخمة للقاهرة إلى موطن لصناعة المشغولات الفنية المصنوعة من نبات “الحناء” في شكل مظلات تستعمل على شواطئ المنتجعات السياحية، إلى جانب قطع ديكور لخدمة الفنادق وقاعات الزفاف والحدائق.

وتبنت وزارة البيئة المصرية خطة بالتعاون مع مستثمرين أجانب لتدوير المخلفات الزراعية التي تقدر بنحو 23 مليون طن سنويا، وتتضمن محاصيل كالأرز والقطن وقصب السكر إلى جانب بقايا أشجار النخيل، مع تقديم تسهيلات للشباب في تجميع المخلفات وتوفير معدات النقل اللازمة لها.

أيمن خليل، صاحب ورشة، قال إنه عاد للتوّ من مدينة نويبع في جنوب سيناء الواقعة على خليج العقبة في البحر الأحمر، بعد قيامه بتجديد المظلات الشاطئية لأحد المنتجعات الذي استفاد من عودة الوفود السياحية بعد توقفها في أعقاب سقوط الطائرة الروسية فوق صحراء سيناء في نهاية أكتوبر 2015.

يقول خليل ، لـ”العرب”، إن “المنتجات المصنوعة من نباتات الحناء يتم تصديرها حاليا إلى دول أوروبية، مثل اليونان وألمانيا، إلى جانب أخرى عربية مثل السعودية والإمارات، وأحيانا يتطلب الأمر السفر مع البضاعة إلى الخارج لتركيبها على الشواطئ”.

ويتفاءل العاملون في “ديكور الحناء” بانتعاش حركة السياحة بمصر خلال النصف الأول من 2018 بزيارة 5 ملايين سائح للبلاد وارتفاع نسبة الأشغال بالمنتجعات والفنادق السياحية بمحافظة جنوب سيناء، وهو ما انعكس على إيراداتها، وتبدأ في زيادة الإنفاق على تطوير الشواطئ وتجديدها.

وتنتج “ميت كنانة” بدائل الأسوار التقليدية التي تستخدم كمصدات للرياح بالقرى السياحية أو أمام القصور والفيلات، وسعرها يتراوح بين دولار ودولار ونصف للمتر، شاملا أجرة التركيب، إلى جانب منتجات ديكور مصنوعة من الأخشاب والحناء كأشجار الزينة.

كما تخصص بعض العاملين في القرية في إنتاج كرات الضوء التي تقبل عليها الفنادق وقاعات الزفاف، وكذلك الأسقف المتحركة لأغراض الزينة، التي تتسم بقدرتها على تحمل عوامل التعرية.

"ميت كنانة" قرية المشغولات الفنية اليدوية
"ميت كنانة" قرية المشغولات الفنية اليدوية

ولاقت المنتجات المصنوعة من المخلفات طلبا متزايدا بالتزامن مع انتشار أثاث “البامبو” والخيزران في ديكور المنازل بمنطقة الخليج، لسمعتها في جلب الحظ السعيد، حتى تصبح مكملة لأطقم جلسات الحدائق بدلا من المظلات المصنوعة من الأخشاب والقماش.

داخل ورشة واسعة، يفترش عادل سعيد الأرض، منكبا على مجموعة من أعواد الحناء يشكلها على هيئة مظلة، أتمّ صنع قبتها، وبدأ في تشكيل دائرتها الخارجية، مستخدما أسنانه في تقطيع أحد الأعواد، ثم يبدأ في إنهاء قطعة قطرها ثلاثة أمتار استغرقت يوما كاملا لإنجازها.

سعيد، الذي يبلغ من العمر 65 عاما، ينحني على الأعواد منذ 35 عاما، لا يهمّه من يستظل بظلها، ولا الدولة الأوروبية التي ستتوجه إليها، كل ما يعنيه إنهاء عمله اليومي للحصول على أجره المعتاد الذي يقدر بـ 75 جنيها (4 دولارات).

في بعض الأحيان، يحسّن دخله ببعض المنتجات ذات طلب محلي وعربي فقط تسمى “المشنات”، وهي أوعية مستديرة ذات أعماق مختلفة، تستخدم كعبوات لعرض الفاكهة والخضروات في الأسواق أو لتخزين التمور، وتباع الواحدة منها بسعر 25 جنيها (1.3 دولار). يتجسد التعاون الأسري بالقرية في أجلى مظاهره، فلكل من الجنسين دور، والأطفال يساهمون في العمل أيضا، السيدات مسؤولات عن تنظيف الأعواد من الزوائد الشوكية، ثم تقطيعها إلى شرائح، ثم يبدأن بتسليمها للفنيين الذين يكونون في الغالب أزواجهن لتشكيلها، حسب الطلب.

لا تتعدى الأدوات التي يعتمدون عليها، آلة حادة شبيهة بالسكين تتولى تنظيف الأعواد، وأخرى مصممة لتقسيم العود إلى ثلاثة شرائح طولية. لا تعقيدات آلية بالصناعة، فالأمر متوقف على موهبة كل منهم، وقدرته على تحريك أصابعه، ووضع تصوّر لرسم يظل في ذهنه حتى إتمام تنفيذه.

تواجه الصناعة في “ميت كنانة” بعض المنغصات، أهمها العوائق المستمرة عبر النقاط المرورية، خصوصا عند دخول سيناء التي يخوض فيها الجيش حربا ضد عناصر إرهابية، وإجبار الصناع على إنزال منتجاتهم أكثر من مرة لتفتيشها وشحنها مجددا ما يعرضها للضرر.

يقول محمد خليل، صاحب ورشة، إن صناعات أعواد الحناء توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لثلث سكان “ميت كنانة” البالغ عدد سكانها قرابة المئة ألف، ما بين حدادين ونجارين يصنعون هياكلها سواء من الخشب أو المعدن، وعمال الدهانات الذين يتولون تلوينها، إلى جانب السائقين الذين لا غنى عنهم في النقل.

ورغم اهتمام الحكومة المعلن، لكن خليل حاول كغيره، الحصول على قروض من البنوك أو الصندوق الاجتماعي للتنمية التابع لرئاسة الوزراء، للتوسع وتشغيل المزيد من العمال منذ الإعلان عن مبادرة البنك المركزي لتقديم القروض للشباب لإقامة المشروعات الصغيرة بفائدة 5 بالمئة فقط، لكن جهوده باءت بالفشل.

داخل مرآب منزل حديث البناء، تتراص مجموعة من الكرات المصنوعة من أعواد الحناء بأحجام متنوعة بعضها مدعوم بأسلاك حديدية في داخلها، تنتظر التلوين تمهيدا لنقلها إلى أحد الفنادق الكبرى بالقاهرة.

التمويل والشحن يعيقان التوسع في السوق الخارجية
التمويل والشحن يعيقان التوسع في السوق الخارجية

ينجز حمدي خليفة تلك الكرات التي تحتاج إلى خبرة كبيرة للمحافظة على شكلها الكروي الكامل دون عيوب تمهيدا لإنهائها وشحنها لجهتها النهائية حتى يتم تلوين بعضها ووضعها بالحدائق، أو تطعيمها بمصابيح ضخمة، أو ربما تزيينها بالورود لتصبح مشابهة بالمناظر الطبيعية في الغابات.

يشعر بغصة عند الحديث، مع “العرب”، عن عوائق صناعته، فقبل أسابيع فشل في تلبية طلبات شراء جاءته من الكويت بسبب تعقيدات تتعلق بالشحن، وارتفاع تكلفة النقل، حيث جعلا التصدير مشكلة مزمنة لا يستطيع الصانع حلها، علاوة على رفض عدة بنوك طلبا لتمويل شراء سيارة مقابل ضمان منزله لاستخدامها في التوزيع. وتلقى بعض صناع القرية مؤخرا طلبا محليا مرتبطا بتزيين الحدائق ببعض المدن الفاخرة الجديدة، بأشجار افتراضية مع رفع أسعار مياه الشرب العذبة، ومساعي ملاكها للتحرر من ثقافة البحيرات الصناعية والمساحات المفتوحة “لاند سكيب” كثيفة الاستهلاك للمياه.

وتحتاج صناعة تلك الأشجار إلى لمحة فنية تعيد تشكيل المخلفات القديمة والصغيرة في نسق واحد لتبدو شبيهة بالحقيقية بعد دهنها مع إمكانية التلاعب في أشكالها باستخدام تقنيات الإضاءة والإبهار البصري، ما يجعل مشاهديها لا ينقبون كثيرا عن أصلها وكيفية صناعتها.

أخذت الفكرة ذاتها، تتكرر على استحياء مع مخلفات محصول الأرز لتبدأ محاولات استخدامه بمجال الديكور كوحدات إضاءة أو إطارات للصور بعد معالجته بالتجفيف ثم الفرم وإضافة الغراء إليه، ثم تنفيذ التصميم بالاستعانة ببعض الإكسسوارات إليه كالمعادن الملونة والزجاج والسلاسل والأصبغة.

لا تحمل قائمة طموحات أهالي “ميت كنانة” الكثير، مجرد شركات تتولى تسويق بضاعتهم بالخارج وشحنها، ومنحهم اشتراكا مخفضا بمعارض الصناعات الحرفية، يقولون إن بضاعتهم قابلة للتطوير والمنافسة باعتبارها يدوية صرفة في كل مراحلها، فلم تطرقها آلة أو تعرف صوتا لمحرك، الأمر يتوقف على منحهم دفعة معنوية تشعرهم بالأهمية في الحياة.

17