السحر والشعوذة.. خناجر تفتك بالمجتمع

الاثنين 2013/12/09
كثير من المشعوذين يتعاملون مع رجال الدين والشرطة والسياسيين والفنانين

القاهرة- حذّر الإسلام من السحر والشعوذة، وشرّع العلاج القرآني والنبوي للتخلص من هذه الآفات؛ كي لا نكون عرضة للمشعوذين والدجالين.. والمتأمل في التراث الإنساني، يجد أن ثمة حقيقة مرة مؤلمة، وهي أن العقول البشرية قد تعرضت لعمليات وأْدٍ واغتيال خطيرة عبر حقب طويلة، وخناجر الوهم والخرافة وألغام الدجل والشعوذة أكبر أسلحتها.

يرى البعض أن السحر فكر مترسخ داخل العالم الإسلامي فقط، وهو السائد في جميع الدول الإسلامية، والذي تجلى في مفهوم لاهوتي عبر الجن، علاوة على ذلك، يمكن أن تشكل المعتقدات السحرية تهديدا وجوديا لرجال الدين الإسلامي، نظرا إلى أنّ الاعتقاد في السحر والشعوذة والأشباح والشياطين على نطاق واسع، واستشارة المعالجين الروحانيين والعرافين لطرد الأرواح الشريرة، والتضحية الحيوانية وكأنها قربان، إضافة إلى الكثير من العادات والطقوس التي توفر الحماية من العين الشريرة، يربطها البعض بأنها مخاوف مرتبطة بهذه المعتقدات لمطاردة المرض والفقر والمصائب اليومية.. وتتزايد هذه المعتقدات السحرية على نطاق واسع داخل المناطق الريفية أو الفقيرة، رغم أنه يمكن ملاحظتها في كل شريحة من شرائح المجتمع بغضّ النظر عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

ولا يفرق السحر في حقيقته بين الأجناس كما لا يختار ضحيته عشوائيا..الشيخ نصر الرفاعي وكيل وزارة الأوقاف السابق قال: إن السحرة دمروا كثيرا من البيوت وشتتوا كثيرا من الأسر وفرّقوا كثيرا بين الناس وأزواجهم وأموالهم.. واستنزفوا الكثير من الأموال وهم أيضا يذبحون للجن والشياطين أي أنهم مشركون بالله عز وجل.. والمجتمع الإسلامي برمته يحارب الشرك ويقمعه.. يقول تعالى (إن تنصروا الله ينصركم).

ويرى أن الشرك يدخل السحر من وجهين: الأول ما فيه من استخدام للشياطين وتعلق بهم وتقرب إليهم ليخدمونه، والثاني ادعاء علم الغيب، ومن الآيات الدالة على كفر السحرة كثيرة: "وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر.. إلى قوله تعالى: "وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر" وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر.. إلى آخر الحديث.

ويشدد على ضرورة قتل السحرة اتقاء لشرهم، مشيرا إلى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء البلاد: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.. وفي الخبر الذي يرويه عمر وحفصة "حدّ الساحر ضربه بالسيف" وهو ما فعله عدد من الصحابة.

ومن جانبه أوضح الشيخ سيد علي أحد مشايخ الأزهر، أن السحرة والمشعوذين يدخلون الضرر على الناس في دينهم فيأمرونهم بالشرك بالله عبر الذبح للجن.. كما يتعلمون سحرهم للصد عن سبيل الله كما فعل فرعون بجلب السحرة ضد موسى "عليه السلام" كما يعملون على ضر الناس في أبدانهم ويتسببون في قتلهم ويسعون إلى التفريق بين الزوجين والأقارب كما قال تعالى: "فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه".

لابد من تعزيـز الإيمـان وفهـم الاستراتيجية الإسلامية للفوز بالنفوس من خلال توفير الحماية عبر الله وليس الجن

وفي رأي الشيخ محمود عاشور‏‏ عضو مجمع البحوث الإسلامية‏ بالقاهرة، أن المشعوذين يدّعون قدرتهم على قراءة المستقبل أو التنبؤ والنبوءة من خلال القهوة، وتشمل أنشطة بيع تمائم لدرء الأرواح الشريرة وتقديم المشورة للمشاكل الزوجية، ومعظم عملاء هؤلاء المشعوذين من النساء أو كبار السن لتوجيه التماس المشاكل التي تؤثر على أسرهم، إلى درجة أنهم أصبحوا أشخاصا ذوي شعبية متزايدة، والناس على اختلاف أعمارهم ينتقلون إلى العرافين بحثا عن السعادة والأمن ومعرفة القادم أو الحيطة من المستقبل، رغم أن كل هذا بمشيئة وقدرة الله، مؤكدا أن العديد من المصريين بما في ذلك من هم على درجة عالية من التعليم ينفقون مبالغ كبيرة من المال على الشعوذة والخرافات، خاصة بين طبقات السياسيين والفنانين، وبالطبع الريف مليء بهذه الحكايات المتسمرة التي لا تنقطع عن المناطق الفقيرة أيضا، مع أن هذه الخرافات المتزايدة تهدد الأمن القومي للبلاد كونها تعتمد على الصحة العقلية للأمة، فمثلا هناك السحر الأسود الذي أدخله البعض في طقوس الشفاء القرآني، وهناك أطروحات إسلامية مفصلة تعمل على تحييد السحر الأسود وهي تشمل طقوس طرد الأرواح الشريرة وطقوس التطهير لتدمير التمائم والعناصر السحرية الأخرى. وبالتالي هناك سحرة وعرافون ومعالجون تقليديون في جميع أنحاء العالم الإسلامي انتهكوا تفسيرات الشريعة، وأدخلوا الشعوذة في أعمال السحر رغم أنهما يختلفان اختلافا كبيرا، ومن هنا لابد أن نفهم تماما انتشار المعتقدات السحرية في العالم الإسلامي لتجنب الوقوع في براثن أصحاب الدجل والشعوذة واختلاق الأوهام.

ويرى الدكتور سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف السابق، أن عالم الجن جزء لا يتجزأ من الدين الإسلامي وفقا للقرآن، والله خلق البشر من طين، والملائكة من نور، والجن من نار السموم، كما أن الجن كائنات وسيطة على غرار البشر لديها الإرادة الحرة ويمكن أن تبني الخير أو الشر، وسوف يكون الحكم على أفعال الجن يوم القيامة وفقا لأعمالهم، ومع ذلك يشار إلى الجن الأشرار وإبليس (الشيطان) رئيسهم بأنهم يسكنون البشر أو ما يطلق عليهم بالأرواح، ويعتقد المسلمون أن الجن الأشرار هم كيانات روحية يمكن أن تدخل وتمتلك الناس وتمارس تأثيرا خارقا عليها، وتعتبر المرأة أكثر عرضة للجن؛ لأنها أضعف في إيمانها ونجسة في عدة أيام من الشهر، ويعتبر السحر الأسود أن أولئك الذين تعلموا استدعاء الجن الشرير لخدمتهم، بينما المعالجة بالقرآن هي بمثابة استدعاء لتوجيه من الله لطرد الشياطين، حتى المعالجين الروحانيين رغم نواياهم الحسنة لا يوظفون جيدا طرق العلاج القرآني مقارنة بالسحرة والمشعوذين، وللأسف يصنف كثير ممن يعالجون بالقرآن ضمن المشعوذين والسحرة بغض النظر عن أهمية وجود من يمارسون الطب القرآني.

وفي السياق ذاته أشار الدكتور أحمد ترك، أحد علماء الأزهر الشريف، إلى أن كثيرا من المشعوذين يتعاملون مع رجال الدين والشرطة والسياسيين، على سبيل المثال هناك من يخدع الفنانين باسم السحر ليشارك في الكثير من الأعمال الفنية، وهناك من يستخدم السحر لفصل المتزوجين، وهناك من يخدع بعض السياسيين من أجل الوصول إلى المناصب، وقد تعطي المرأة كل مجوهراتها إلى مشعوذ من أجل تعويذة، وغيرها من الأعمال المسيئة والممارسات الخاطئة، وللأسف لا تزال هذه العادات مترسخة داخل عقول شعوب الدول الإسلامية اعتقادا منها بقدرات وصلاحيات الجن في تغيير مسار الحياة، لافتا إلى أن التعامل مع هؤلاء المشعوذين سواء لاسترضاء الناس بالخرافات أو الاعتقاد بصدق في هذه الأعمال السحرية يعرض عددا كبيرا من الموهومين بهذه الخرافات للخوف والرهبة، ويجعلهم عرضة للدجالين في ممارسة نفوذهم عليهم ببساطة، وما يشاع حول قدرة الجن من تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي، مثل الفقر والمرض والجوع، أو توفير الغذاء والمأوى والتعليم، يعد بمثابة شرك بالله، ولذلك لابد من تعزيز الإيمان وفهم الاستراتيجية الإسلامية للفوز بالنفوس من خلال توفير الحماية عبر الله وليس الجن.

21