السخرية طريقة فنية في قول أكثر الأشياء مأساوية

الشاعر السوري فادي سعد يرى أن كل قصة في مجموعته القصصية "مكتبة الموتى" كان حافزها حدثا واقعيا حصل أثناء الحرب السورية.
الجمعة 2018/03/16
قصص المنسيين في جنازات الحرب (لوحة للفنان أنس سلامة)

يبدأ حديثنا مع الشاعر فادي سعد حول انتقاله إلى السرد، إذ يقول “لم أخطط للانتقال. كنتُ أكتب الشعر، ثم حصلتْ ثورة في سوريا. بعد ذلك تغيرتْ أشياء كثيرة، ومنها الطريقة التي أكتبُ بها. الأمر حصل بشكل عفوي وتدريجي بعد بداية الثورة. كنتُ أعتقد دائما أني لن أمارس سوى الكتابة الشعرية. وكنتُ أشتغل على تصورات معينة حول طبيعة هذه الكتابة، منها تصورات سردية ربما، ولكن دائما داخل مجال الكتابة الشعرية نفسها. حين بدأتْ الثورة عام 2011، بدأت أشعر بأن بنية القصيدة ضيقة على الحدث، وأن ما يمكن قوله وما يجب قوله يفيضان على حدود النص الشعري. مع مرور الوقت وازدياد الخراب لم تعد تغريني أساليب التكثيف والتورية والمجاز الشعرية، بل باتتْ هذه الأساليب المواربة واللعوب تستفزني. كنتُ أرى أن حدثا كالحدث السوري يتطلب نوعا من الوضوح الحاد في التعبير والرؤية؛ التعبير عن مساحات المأساة الشاسعة ورؤية التفاصيل التي لا يمكن لقصيدة أن تحيط بها”.

 

إن التقسيم الأجناسي للأدب قد يضر به أكثر مما ينفعه، خاصة فيما يتعلق بعملية الكتابة، التي تتطلب حالة إبداعية خارجة عن القيود، لكن لها وعيها أيضا. وهنا فإن انتقال شاعر إلى كتابة السرد أو العكس أو انتقال أي كاتب لكتابة نص في مجال آخر، أمر ضروري لتحقيق الانفتاح الذي يتطلبه الأدب المعاصر وقضاياه الراهنة اليوم. في هذا الإطار التقت “العرب” الشاعر السوري فادي سعد حول مجموعته القصصية الأخيرة “مكتبة الموتى”.

تأريخ اللحظة

مجموعة فادي سعد القصصية “مكتبة الموتى” تأْريخ سردي لمأساة سوريا، وهو أيضا يحب أن ينظر إليها ككتاب تأريخي؛ إذ يرى أن كل قصة في المجموعة كان حافزها حدثا واقعيا حصل أثناء الحرب السورية. ويقول إن “معظم أبطال القصص يحيلون إلى أشخاص حقيقيين ويعرفهم الكثير من السوريين؛ مثلا، رنا في قصة ‘غرقت الرصاصة في العتمة‘، هي طفلة أصابتها فعلا رصاصة قناص في إحدى المناطق في حلب. وقصة “معبر الموت”، هي قصة الموت في معبر “بستان القصر” الشهير الذي كان يفصل بين شطري حلب. غياث في ‘الجريمة‘، هو أحد أطباء الداخل الذي يحمل نفس الاسم وقُتل تحت القصف أثناء علاجه المرضى. وعندما قُتل ابن خالي أثناء خدمته في الجيش السوري، كتبتُ قصة ‘الصديق السوري الذي أرسل جثته من هناك‘. من الصعب النظر إلى محتوى الكتاب، دون أن تشمل النظرة زاوية تأريخية”.

ويتابع سعد “السرد، بكل تجلياته الأدبية، كان دائما على علاقة متبادلة وثيقة بالتاريخ؛ التاريخ الموازي المـنسي الذي لا يهتم به أو الذي يتجاهله عن قصد التاريخ الرسمي”.

في “مكتبة الموتى” يتحدد مصير الإنسان السوري بالموت والجرح النفسي واليتم، حيث يكتب فادي سعد عن أحداث سياسية يومية ولكن دون أن تفسد هذه السياسة الاشتغال الفني في المجموعة. وهو ما يسعى إليه ضيفنا آملا ألا تكون السياسة أفسدت المجموعة.

يقول سعد “من الناحية النظرية، ليس لدي أي شك في ضرورة وأهمية الفصل بين الأيديولوجيا والفن، فالأيديولوجيات، أيا كانت، يمكن أن تفسد الفن أو تقلل من إمكانياته الجمالية القصوى. لكن هذا لا يعني ألا يمتلك الكاتب موقفا سياسيا أو أيديولوجيا واضحا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالموقف من الاستبداد والطغيان، لكن مهم جدا أيضا أن يكون النص السردي ديمقراطيا، أي ألا يكون مهووسا بالإجابات قدر هوسه بطرح التساؤلات، وأن يكون مفتوحا على زوايا رؤية ووجهات نظر عديدة. الآن، لا أدري كم نجحتُ في ذلك، سأترك هذا الأمر للقارئ، لكن بالتأكيد الكتابة أثناء حدث كالحدث السوري تجعل الموقع السياسي والعاطفي لأي كاتب ملتصقا جدا بنصه، ما يجعل القدرة على الفصل أمرا بالغ الصعوبة”.

رنا، ميلاد، باسل، غياث، قرية خيراب، حلب، حي بستان القصر، درعا، وغيرها، كلها أبطال لقصص المجموعة، التي نسأل سعد إن كان استطاع من خلالها أن يداوي جرحه كإنسان سوري، ليجيبنا نافيا بالعكس. ويضيف “كان استرجاع بعض الأحداث والشخصيات أثناء الكتابة مؤلما بشكل مضاعف. لا أظن أني سأستطيع أن أنسى وجه رنا بعدما كتبتُ عنها. الجروح السورية باتت أعمق من أن تستطيع الكتابة معالجتها.

فادي سعد: السخرية من أكثر الأساليب فعالية في تشريح الواقع وتوضيح ملامحه بحدة
فادي سعد: السخرية من أكثر الأساليب فعالية في تشريح الواقع وتوضيح ملامحه بحدة

ربما نكتب أحيانا كي نهرب من واقع ما ضاغط، وهذا قد يكون فيه بعض العزاء الشخصي. ربما نكتب كي نزيد من قدرتنا على التحمل. دافع وأثر الكتابة موضوع شخصي جدا. بالنسبة إلي، ليست الكتابة سوى مسكن ألم، مسكن ألم لا يفقد مفعوله بمرور الزمن”.

سلاح السخرية

 في قصة “مكتبة الموتى” هناك سخرية عميقة من الواقع، ميلاد يعود بعد عشر سنوات من مقتله، قرية خيراب محط الكُتاب والسينمائيين. وهنا يوضح سعد “لم أرد أن أسخر من الواقع بقدر ما أردتُ تعريته. السخرية والتهكم والمفارقة الكوميدية يمكن أن تكون من أكثر الأساليب فعالية في تشريح الواقع وتوضيح ملامحه بحدة جارحة. الكوميديا السوداء في الأدب، والكوميديا بشكل عام، كانت تعتبر تاريخيا إحدى أخطر الوسائل في نقد الاستبداد وتحطيم صورة الطغاة. يمكن أن يواجه أي واحد منا نقدا جديا موجها إليه ويدافع عن نفسه بطريقة منطقية فعالة، بينما سنقف عاجزين تماما، ومجردين من أية قدرة على الرد إذا وُجه إلينا نقد ساخر. السخرية تعري بقسوة، لذلك لا يمكن أن يتسامح الطغاة معها”.

السخرية، كما يقول سعد، طريقة في المواجهة وطريقة في القول، طريقة عقلانية في مواجهة عبثية الواقع، وطريقة فنية في قول أكثر الأشياء مأساوية؛ قولها بطريقة عميقة حادة فاضحة من دون رتوش، وبصراحة صادمة أحيانا لا يمكن أن يجاريها أي أسلوب آخر، إذ يؤكد أن “لدينا الآن في بلادنا ومجتمعاتنا تناقضات رهيبة وهائلة بحيث يبدو لي أحيانا أن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها التعايش مع هذه التناقضات وتجاوزها هي دقها بإسفين السخرية”.

قصص المجموعة عن اللحظة الراهنة. نسأل فادي سعد هنا كيف استطاع أن يعطي لهذه اللحظة أهميتها، منحازا إلى كل ما هو إنساني؟ ليجيبنا بأن “القصص حاولتْ أن تتعامل مع اللحظة الراهنة من وجهة نظر خاصة بها، مُدركة تماما هولَ هذه اللحظة وثقلها وأهميتها. وكما قلت، يبقى الحكم النهائي للقارئ. لكن في الإجابة على التفرع الثاني من السؤال، في قضية الانحياز، يحتاج الكلام على الموضوع إلى بعض الجدل حتى لا تتحول الإجابة إلى كليشيه جاهزة. فأولا، أنا أؤمن بأن الكاتب والنص اللذيْن لا يكون انحيازهما إنسانيا بشكل واضح وصريح، يفقدان المعنى الأعمق للثقافة والكتابة، ويجعلاننا نشك في جدوى الكتابة من الأساس. لكننا لا نستطيع أيضا، كما يستسهل البعض، نزع القيمة الفنية والأدبية للنصوص لمجرد أن انحيازها، أو انحياز كتابها، ليس إنسانيا. وهذا ما أوقعنا حقيقة (وسأبقى هنا في الجغرافيا الثقافية السورية) في التباس كبير إلى حد الصدمة أمام مواقف مثقفين سوريين مهمين، كتبوا نصوصا هامة، لكنهم قرروا مناصرة النظام السوري وإجرامه. لم تتطابق القيمة الفنية مع القيمة الإنسانية وهذه معضلة كبيرة لم نجد لها حلا”.

15