السخرية لمواجهة الجوع في زيمبابوي

حين تتحالف موجة الجفاف والأوضاع الاقتصادية الكارثية أصلا مع سطوة السلطة، وعندما تغلق حتى أبواب الهجرة السريّة وتوصد كلّ منافذ الحياة، لا يجد الزيمبابويون من حلّ سوى السخرية والضحك لمواجهة قسوة الواقع الراهن وتضاؤل الأمل في غد أفضل.
الأربعاء 2015/05/27
الزيمبابويون لا يمتلكون غير الابتسامة والسخرية لمغالبة مرارة الواقع

هراري- لم يكشف برنامج الأغذية العالمي، أمس، جديدا حين أعلن أنّ الجفاف سيدمّر على الأرجح المحاصيل في عدد من بلدان الجنوب الأفريقي من بينها زيمبابوي. فاقتصاد البلاد يعاني، منذ خمس سنوات، من كساد كارثي صاحبه ارتفاع قياسي في نسبة التضخم ونقص واسع النطاق في الطعام.

ورغم الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها زيمبابوي، فإنّ المواطنين يجدون ملجأ آخر غير الهجرة لمواجهة الضغوط العالية المسلطة عليهم، يتمثل في الضحك والسخرية.

والملفت أنّ العروض الفنيّة الساخرة تجد إقبالا واسعا في الصالات وعلى شبكة الإنترنت، في بلد لا تتهاون سلطاته مع معارضيها، ويتعرّض عدد منهم للاغتيال بين الحين والآخر.

في ملهى “ذي بوك كافيه”، في العاصمة هراري، يقدّم الفنانون فيكتور مبوفو المعروف باسم دوك فيكيلا، ومايكل كوداكواشي، وسام مونرو وكونيغ كينغ، عروضا ساخرة تنفد تذاكر الدخول بسرعة كبيرة.

وتتناول العروض مواضيع ساخنة، تتناول بأساليب مجازية الفساد الذي يطال رجال الشرطة والشخصيات العامّة في البلاد، ومنهم رئيس زيمبابوي المسنّ روبرت موغابي وزوجته غرايس.

إقبال كبير على العروض الفنية الساخرة، ورغم أن الانتقادات غالبا ما تكون مبطنة، فإن الفهم لا يستعصى على عموم الزيمبابويين

في هذا السياق، يقول الشاعر شيريكور، “نحن نضحك دائما، نضحك على أنفسنا، ونضحك حين ندفن موتانا، وحين لا تكون أمورنا جيدة، نضحك بدل أن نتذمّر”. في مهرجان دولي للفنون أقيم في الآونة الأخيرة في هراري، تدافع الجمهور لمشاهدة مغني الهيب هوب سام مونرو، فهذا المغني المعروف باسم “الرفيق فاستو” قدّم عرضا سخر فيه من نشرة الأخبار في التلفزيون الرسمي تابعه الملايين عبر الإنترنت، ولم يوفّر في عرضه انتقاداته للحزب الحاكم.

ومع أنّ الانتقادات غالبا ما تكون مبطنة، فإن فهمها لا يستعصى على الجمهور، في هذا البلد الذي يحكمه روبرت موغابي، البالغ من العمر اليوم 91 عاما، منذ استقلال زيمبابوي في العام 1980. فالانتقاد العلني لموغابي، أكبر رئيس دولة في العالم، قد يعرّض “مرتكبه” للسجن أو لقضاء وقت غير محبب لدى أجهزة الأمن أو المكاتب القضائية.

ومن هذا المنطلق، فإن انتقاد الحزب الحاكم الذي يعيش صراعا داخليا ضاريا لخلافة الرئيس العجوز، يقف قبل التعرّض لرئيسه. وتنال المؤسّسة الجامعية الوطنية حصتّها من السخرية والنقد، فقد راج في مختلف الأوساط إقدام الجامعة على منح شهادة الدكتوراه لزوجة الرئيس، بعد ثالثة أشهر فقط على دخولها إليها.

وكان الممثل أوبريان موديوندياما قد قدّم مؤخرا عرضا سياسيا ساخرا، استخدم فيه تعبير المراحيض العامة توصيفا للحالة العامة للبلاد، وقال “هناك الكثير من المعاناة، الناس يعزّون أنفسهم بالمشاهدة والضحك”.

قسوة السلطات وموجة الجفاف تطاردان الزيمبابويين

من جانبه، يقول الممثل دوك فيكيلا، “ثبت طبيا أنّ الضحك يعالج الضغط” الذي يعاني منه الناس في زيمبابوي بشكل مستمر. وكانت زيمبابوي لدى الاستقلال بلدا مزدهرا ونموذجيا في مجال التنمية، ولا سيما في قطاعات الصحة والتعليم، لكنها اليوم غير قادرة على التعافي من أزمتها الاقتصادية والتضخّم الكبير الذي أصابها مطلع القرن الحالي.

ويجرؤ الممثل فيكيلا في عرضه على تناول مسألة حكم موغابي للبلاد 35 عاما، إذ يقول “رغم أن مواطني زيمبابوي متعلّمون بنسبة تصل إلى 99.9995”، غير أنهم الوحيدون في العالم الذين لا يعرفون الإجابة عن سؤال سخيف: ما اسم الرئيس السابق لبلدكم”؟ عندها ينفجر الجمهور بالضحك.

ويعلق الممثل على تفاعل جمهوره “أعصاب الناس مشدودة كثيرا، لذا فهم في حاجة إلى أن يتخلّصوا من الضغوط، يفضلون أن ينفقوا مالهم القليل على شيء يضحكهم”.

الجدير بالذكر أنّ سلطات هراري، في حدّ ذاتها، تدرك مدى الضغوط التي يعيشها المواطنون، بما في ذلك قوّات حفظ النظام العام، ويمكن لزوّار البلاد من سياح أن يلاحظوا ذلك بيسر.

وفي هذا الصدد أطلقت السلطات الزيمبابوية برنامجا تدريبيا لتحفيز أفراد الشرطة على الابتسامة والبشاشة. وقال نائب وزير الداخلية، زيامبي زيامبي، “يواجه السياح أثناء تجوّلهم في زيمبابوي الحواجز وأفراد الشرطة ذوي الوجوه العابسة، ويمكن للابتسامة أن تحقق الكثير”.

وتحاول حكومة زيمبابوي إنعاش السياحة لجلب العائدات التي تشتد الحاجة إليها في ظلّ تعثّر اقتصاد البلاد.

في المقابل، يشكّك بعض الزيمبابويين في سياسة الابتسام، في ظلّ ما يروج عن جهاز الشرطة من فساد. وبأسلوب لا يخلو من السخرية ذاتها، قال ويلارد شوباي، أحد سكان العاصمة هراري، إنّ “ما يجعل أفراد الشرطة يبتسمون حقا هو المال”.

يذكر أنّ عددا من مناطق زيمبابوي، وخاصة جنوب غربي البلاد، تتعرّض حاليّا إلى أسوأ موجة جفاف منذ نحو عشر سنوات، فعدم تحقيق المحاصيل الزراعية الإنتاجية المنشودة من شأنه أن يزيد من صعوبة الحياة على السكان. وهذا بالإضافة إلى استمرار العقوبات الاقتصادية التي تسلطها دول غربية على زيمبابوي بسبب عدم رضائها على نظام الرئيس موغابي.

سياجيجيما، قرية منعزلة في جنوب غربي زيمبابوي وتبعد 400 كيلومتر عن العاصمة هراري، تعدّ مثالا للبؤس الشديد الذي يعيشه السكان بعد هلاك محصول القطن والذرة بسبب الجفاف.

ميجوري تريراي، 31 عاما، من سكّان هذه القرية المنعزلة التي لا تعرف ترف مشاهدة العروض الساخرة، وهي لن تجد شيئا لتطعم به أطفالها إلا أقل القليل من الذرة والفول السوداني. تقول تريراي إنها ستكون محظوظة إذا حصلت هذا العام على 50 كيلوجراما من الذرة وهو ما لا يكفيها إلا لفترة شهر واحد.

الحكومة الزيمبابوية تكافح لتوفير مصاريف أساسية مثل رواتب موظفي القطاع العام، لا سيما أنها لا تعتزم تخصيص مبالغ للاستيراد في ميزانية عام 2015

أما محصول القطن فهو مرهون لتسديد دين قدره 27 دولارا للشركة التي وفّرت لها الأسمدة الكيماوية. فإذا فشلت في الدفع ستبيع الشركة دجاجها أو الماعز الوحيد الذي تملكه أو تصادر سقف منزلها القصديري المتموّج.

وتأمل في أن توفّر لها الحكومة الاحتياجات الأساسية، لكنها لا تعرف ما إذا كان هذا الأمل سيتحوّل إلى حقيقة، قائلة “طلبنا هو أننا نحتاج إلى مساعدة لتوفير الطعام حتى يتمكن أطفالنا من الذهاب إلى المدرسة والتركيز”. وأضافت تريراي “في العام الماضي كان لدينا محصول وافر، لكن هذا العام لا نملك إلا القليل.. الجو كان شديد الحرارة قليل المطر”.

ولا تزال الحكومة ووكالات الإغاثة الأجنبية تقيّم الاحتياجات، لكن مسؤولا كشف أن ما يصل إلى 1.8 مليون شخص أي أكثر من عشر سكان زيمبابوي قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية.

وتكافح الحكومة الزيمبابوية لتوفير مصاريف أساسية مثل رواتب موظفي القطاع العام، لا سيما أنها لا تعتزم تخصيص مبالغ للاستيراد في ميزانية عام 2015. وأمام ذلك ليس أمام مواطني زيمبابوي إلا الاستعاضة بالضحك والسخرية لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.

20