"السد" لمحمود المسعدي.. الأدب الوجودي والتناص الفكري

يتخذ الكتاب ألقه وخلوده من محتواه وجدته أو من صيت مؤلفه وشهرته، أو من قطيعة أحدثها في مجال ما. كتاب السد لمحمود المسعدي اكتسب أهميته وشهرته، لكل تلك الأسباب مجتمعة. ورغم أن الأمر ينسحب على كل كتب المفكر والأديب والسياسي التونسي محمود المسعدي الأخرى، إلا أن للسد أهمية قصوى تنبع من خصال كثيرة أفرده بها المسعدي. كتاب يقع بين الرواية والمسرحية، لغته قوية مستوحاة من لغة القرآن، وقضاياه مشتقة من خلاصات المدرسة الوجودية في الإيمان بالإنسان، قادرا وفاعلا.
السبت 2018/02/24
المسعدي رجل الدولة

مسرحية السد، التي بدأ المسعدي كتابتها في العام 1940، وطبعت للمرة الأولى عام 1955، هي الأثر الأهم للمسعدي. أهمية الكتاب تنبع من الموضوع وزمن الكتابة والاستدعاءات الكثيرة التي استعملها المسعدي في متنه: الميثولوجيا والتراث العربي الإسلامي والأفكار الوجودية، في توليفة عجيبة أخرجت السد من التناول المحلي إلى النظر الإنساني الواسع.
محمود المسعدي لم يكن فقط أديبا أو كاتبا أو مفكرا، كان سياسيا ونقابيا وفاعلا أساسيا في الشأن التونسي العام في مفصلين مهمين: مرحلة مقاومة الاستعمار ومرحلة بناء الدولة الوطنية. انخرط في العمل السياسي والنقابي قبل الاستقلال، توازيا مع جهده الأكاديمي والتدريسي، ثم تقلد منصب وزارة التعليم بعد الاستقلال، في زمن بورقيبة، وكان مشرفا على تنفيذ أفكار الدولة الوطنية من قبيل التعليم المجاني والإجباري. تقلد أيضا مناصب مهمة في منظمتي اليونسكو والألكسو ومجمع اللغة العربية في الأردن، قبل أن ينهي حياته السياسية رئيسا (مستقلا) لمجلس النواب في تونس بين 1981 و1987.
كان كتاب السد خلاصة رؤية المسعدي للوضع التونسي زمن الاستعمار الفرنسي والتوق إلى الاستقلال، لكن لغته ومرجعياته وثقافة الكاتب حولته إلى أثر إنساني لا يموت.

لن نجانب الصواب إن قلنا بأن هناك مؤلفات تؤثر في أصحابها حصرا، وأن هناك مصنفات تنسحب دائرة سطوتها الناعمة على جيل واحد من قرائها، وأن هناك كتبا بسطت نفوذها الاعتباري والرمزي على الجيل الذي اجترح النص خلاله ومن أجله وعلى الأجيال العاقبة له.

“السدّ” للكاتب التونسي محمود المسعدي ينتمي إلى الصنف الثالث من ضروب المؤلفات، لا فقط لأنّه مدرج بيداغوجيا ضمن المقررات الرسمية لتلاميذ الباكالوريا آداب في التعليم التونسي الرسمي، بل لأن النص حامل لأوجه الفكر والفلسفة ضمن المدونة العربية والغربية، وجامع لصنوف التحبير والتعبير وحاضن لتجربة فلسفية وجودية استنبتها الكاتب المسعدي في تضاريس وتخوم العقل العربي الإسلامي.

النضال نحو الاستقلال

الكتاب على قلة صفحاته، أثار نقاشا مستفيضا بين المشتغلين في الأدب والمسرح من جهة، وبين العاملين في التحقيب المعرفي لتاريخ الأفكار والمنظومات الفلسفية من جهة ثانية
الكتاب على قلة صفحاته، أثار نقاشا مستفيضا بين المشتغلين في الأدب والمسرح من جهة، وبين العاملين في التحقيب المعرفي لتاريخ الأفكار والمنظومات الفلسفية من جهة ثانية

تضعنا المقاربة التاريخانية للحظة ولادة النص في أربعينات القرن الماضي حيث كان صاحب “السد” مرتحلا بين جامعات فرنسا، ومستقرئا لتجربة إنسانية قوامها الفلسفة الوجودية لجون بول سارتر بدايات اندلاع الحرب العالمية الثانية.

تجمع كافة الدراسات التاريخية على أن السد حبّر في الفترة الممتدة بين 1939 و1940، أي عسكريا واستراتيجيا في الأعوام البكر لسنوات الجمر الست على العالم برمته، وفلسفيا مع مخاض التأصيل لفلسفة قداسة التجربة الإنسانية وتقديس الحياة في مقابل براديغمات الدعاية للعرق الأفضل والجنس الأحسن، وعنصرية الهويات القاتلة في مقابل الإنسانية المقتولة.

وهي أيضا مرحلة التراكمية النضالية التونسية في وجه الاحتلال الفرنسي، مع تقاطع الفعل السياسي بالفعل النقابي وبالتأسيس الاجتهادي الديني مع مدونة فقهية جريئة للمصلح الطاهر الحداد، وهي مقدمات تلاقح روافد النضال السياسي مع الميثاقية النقابية مع الإصلاح الديني والمجتمعي، سرعان ما تجسّدت أفكارا وأسفارا في نص السد، بعد أن تجسمت تجارب معيشية خاضها محمود المسعدي مع الحزب الدستوري الحر ومع الاتحاد العام التونسي للشغل ومع تلاقيه التاريخي والمعرفي مع نخبة من الإصلاحيين الدينيين.

كما تضعنا المقاربة المعرفيّة -بمعنى تاريخ الأفكار- في مرحلة التقابس وفق مفهوم المفكر الإصلاحي التونسي محمد الطاهر بن عاشور حيث يكون التفاعل الاقتباسي من حيث المعنى والمبنى تأسيسا لمفهوم الحضارة في بعدها الإنساني.

هكذا سار محمود المسعدي بـ”السد” وبقارئيه أيضا بين ملحمة الأسطورة الإغريقية ومأساتها، وبين الوجودية واستحقاقاتها، وبين الأنثروبولوجيا العربية وملامحها اسما ورسما، وبين القلق النيتشوي تارة، وأحاديث الأنا والأنا الأعلى في المدونة الفرويدية تارة أخرى.

طرق المسعدي قبل أوان التأصيل العلمي بوابة “التناص”-من حيث تعدد روافد النصوص في المتن الواحد- لا “النصّ”، فيصعب قراءة أو استقراء السد بعين واحدة أو زاوية يتيمة أو منظومة معرفية محددة، في العمق هو تناص الفلسفات وتقاطع الأفكار واجتماع المعاني والمباني. وفي المحصلة أيضا هو التناص الذي يفرض على صاحبه عُدّة معرفية للقراءة ويفتح له آفاقا رحبة في التبصر والتمعن بعيد طي الغلاف.

كتابات المسعدي، تجربة حياة للقارئ قبل البطل، تعيد كتابات المسعدي القارئ إلى شخصه وشخوصه فتحرك فيه الساكن من الأسئلة وتضرب عاليا ركام المسلمات الرابضة وراء استمراء أنصاف الإجابات على الاستفسارات العميقة عن الذات والوجود والماهية والفعل.

قادح للجدل

الكتاب على قلة صفحاته، أثار نقاشا مستفيضا بين المشتغلين في الأدب والمسرح من جهة، وبين العاملين في التحقيب المعرفي لتاريخ الأفكار والمنظومات الفلسفية من جهة ثانية.

فبالنسبة للأوائل، حرك السد جدالا عميقا حول طبيعة النص وتصنيفه، ذلك أنه يستل من فنون الرواية الكثير من الضروب والمحددات، ويستقي من محددات المسرحية العديد من الضوابط والأشكال، ودون دخول في ملابسات النقاش وطياته، إلا أنه أفضى في المحصلة إلى “تحرير التعريف والتصنيف” بين الرواية والمسرحية.

ولئن آل الكاتب المصري الراحل توفيق الحكيم على نفسه تعريف نص “بنك القلق” بأنه “مسرواية”، بمعنى التآلف والتجميع بين الرواية والمسرح في متن واحد، فإن محمود المسعدي جعل من “السد” متنا جامعا بين مختلف صنوف الكتابة وخيطا ناظما للعديد من المقاربات الفلسفية ونقطة تقاطع بين جملة من السرديات وهو بهذا كما أسلفنا الذكر ينظر ويؤصل لـ”التناص” و”التفكرية” أكثر من عمله على وحدة النص والتفكير الواحد.

ما بين “غيلان” البطل الملحمي لـ”السد” الذي يكابد المخاطر والمحاذير من أجل بناء السد على أرض قاحلة بور، قصد استحصال الزرع واستنبات الحياة، وبين “ميمونة” صاحبته ونقطة ضعفه وصوته الذي يعذبه بألوان تذكيره بالقصور عن التغيير، وبين “صاهبّاء” آلهة القحط والجفاف والقيظ التي تتوعده بالويل والثبور إن هو كابد حلمه وكابر ضعفه، وبين “ميارى” القوة النقيضة لميمونة حيث الدفع إلى الفعل والتحريض على مقاومة صاهبّاء، من الصعب على القارئ أن يحدد مجال الزمان والمكان في سردية السد، فتقريبا لا وجود لمحددات مكان معين أو ضوابط زمان دقيق على طول المتن، فقد يكون المطلق من الأحياز هو المراد بالنص، ذلك أن إنسانية المقصد والرسالة وأنسنة الموضوع والمراوحة بين ميكانيزمات تفكير عديدة وكثيرة قد تكون دفعت المسعدي إلى اختيار أرض بلا جغرافيا وزمن بلا تاريخ.

على مدى فصول السد وضع المسعدي بطله غيلان وسط ملحمية إثبات الذات وتكريس الفعل في وجه إرادة الآلهة صاهبّاء، متبوعة بجمع من زبانيتها الذين لم يترددوا في وضع العراقيل والحواجز أمام غيلان وسده.

المفارقة أنه كلما ازدادت الأوضاع سوءا والآلهة غضبا والأتباع تمردا أو نفورا وميمونة تثبيطا، كان منسوب التحدي لدى غيلان يزيد باطراد وكان استحقاق المكاسرة والمحاربة يفيض من لسانه ويهيج به وجدانه كلما اقتربت لحظة المواجهة. فالأرض لا تتحمل إلهين اثنين، والسدّ لا يقبل فرضيتين متقابلتين، فإما أرض قاحلة بور يمتد السواد فيها بلا نهاية، وإما سد يحول الأرض إلى مجال فعل وبناء وتغيير.

هكذا قال غيلان متوعدا الأرض وصاحبتها صاهبّاء “هذه الأرض المتجعّدة المغبارُ كالعجوز الفاجرة لأُحْبِلنّها ماء فأملأنَّ بطنها فأخرجنّ حياةً”، فهو المؤمن بأنّه “ليس في الحدود والعراقيل حد واحد ولا عقال واحد يعجز عن كسره العزمُ”.

على مدى فصول السد وضع المسعدي بطله غيلان وسط ملحمية تكريس الفعل في وجه إرادة الآلهة صاهباء، متبوعة بجمع من زبانيتها
على مدى فصول السد وضع المسعدي بطله غيلان وسط ملحمية تكريس الفعل في وجه إرادة الآلهة صاهباء، متبوعة بجمع من زبانيتها

أما وعيد صاهبّاء لغيلان فكان تكريسه في الفصل النهائي لكتاب السد، حيث تلبدت السماء بالغيوم واكفهرت سحب الغضب والانتقام، وارتفع غيلان من الأرض إلى عنان السماء.

هكذا أنهى المسعدي نصه، فإما حياة الملحميين في الأرض وإما ختام الخالدين في السماء، بقي سد غيلان مشروعا بلا نهاية عسى أن يجول في خاطر قارئ نص المسعدي أن هناك أكثر من سد على أراضينا لا تزال تنتظر أمثال غيلان لاستكمال المشروع. فمسار الاجتهاد الفكري والثقافي سد غير مكتمل البناء، ومسار السيادة الاقتصادية والاجتماعية سدّ ثان لم تجسر هوّته بعد، وما أكثر السدود غير المنتهية في أوطاننا.

عبر الأستاذ الجامعي محمود طرشونة عن نص “السد” بأنه “أدب المريد”، حيث يصبح الأدب مجالا لفعل الإرادة الإنسانية وتكريسا لرغبة الإنسان في التغيير والتأصيل وتحدي “آلهات” الجمود والتخلّف والركون، فيما أكد الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي الراحل توفيق بكار في مقدمته الشهيرة أن غيلان بنى سده بالحجارة والمسعد يبني “سده” بالعبارة، وبين قوة الحجارة وجزالة العبارة سطوة الملحمية الإنسانية حين تهفو إلى البناء والتأصيل.

من المحلي إلى الإنساني

عبارات المسعدي، هي في المحصلة أيضا قاطرة الارتحال من المحلي إلى الإنساني، فالنصّ قُدّ بأسلوب لغويّ أثيل أصيل متجذر في روافد النصوص الدينية الإسلامية، ليكون النص جامعا بين المبنى القرآني الجمالي والمعنى الملحمي الوجودي، وهو مفصل طريف وقفت عنده الكثير من الدراسات اللغوية والألسنية في الجامعة التونسية على رأسها دراسة الدكتورة ألفة يوسف حول تأثير النص القرآني في كتابات المسعدي، السد نموذجا.

وعلى أثر السد وآثاره أيضا، كتب المسعدي كتابه “حدّث أبو هريرة قال”، وهناك من يعتبر أنه كتابه الأول قبل السد، وفي كلتا الحالتين فإن الفترة ما بين المؤلفين لا تتجاوز الأشهر، و”تأصيلا لكيان” و”مولد النسيان” 1945، و”من أيام عمران” نشر في 2002، كلها مؤلفات تدور حول ماهية الذات وكينونة الإنسان والمطلب الوجودي.

صحيح أن كتابات محمود المسعدي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ولكن أثرها تجاوز الجيل الواحد والتراب الواحد أيضا، فمعظم كتاباته انتشرت في أوروبا وترجمت أعماله إلى الفرنسية والإسبانية والألمانية والهولندية وغيرها من الألسن.

ولئن نال الاستشراق من كتابات المسعدي النصيب الوفير، فإن كتابات المسعدي وعلى رأسها “السد” و”حدث أبو هريرة قال” لم تجد طريقا سلسا وسهلا إلى الجامعات العربية والخليجية على وجه التحديد، وعانت مؤلفاته في بعض الأقطار المنغلقة والمتحجرة من سطوة صورة نمطية سلبية ومن فاجعة عقال عقل عربي لم تتردد بنيته الارتكاسية يوما في إحراق كتب ابن رشد، الأمر الذي حال دون تفاعل مغربي مشرقي حقيقي حيال مدونة فكرية ومعرفية قل نظيرها مبنى ومعنى.

يقول محمود المسعدي عن منع كتبه في مرحلة سابقة من دخول بعض المعارض العربية “أعرف أنهم يعرفون عما ننتج في تونس القليل، وأعرف أيضا أنهم يعرفون القليل عن القليل أيضا”، هكذا ربط المسعدي وهو محق في ذلك بين المنع وبين “قلة المعرفة”، وهكذا أيضا ربط بشكل عكسي مقابل بين “القبول والمعرفة” وبين “التنسيب والتفاعل”.

اليوم يفرض الواقع التونسي بمختلف حيثياته وملابساته استجلاب مصنف “السد”، لا فقط لأن الكثير من شباب تونس فقدوا معنى الجدوى والقيمة فرموا بأنفسهم فريسة لمياه البحر تحت عنوان “الجنة الموعودة والجثة الموءودة في المتوسط”، أو انخرطوا في الأعمال الإرهابية وباتوا بندقية للإيجار بين الأطراف المتقاتلة في أكثر من دولة عربية، ولكن أيضا لأن مشاريع البناء والإصلاح والتغيير تحتاج ملحمية المقاومة والمجابهة في وجه صاهبّاء الفساد والتهريب والبيروقراطية الرتيبة داخليا، وصاهبّاء صندوق النقد الدولي والاشتراطات المجحفة خارجيا.

تونس اليوم في حاجة إلى أمثال غيلان وميارى ذلك أنها مليئة بأمثال صاهبّاء وجواسيسها من الميليشيات والعصابات الإجرامية، والأهم من كل ما سبق أنّ تونس -على أهمية من فيها من الأدباء- في حاجة إلى نصوص من الأدب المريد للحياة تأصيلا لحياة مريدة للأدب.

16