السذاجة تعدّ المنافس الأول للأفارقة

الأربعاء 2014/06/18

مرت نيجيريا بجانب الحدث وفشلت في استهلال مشاركتها المونديالية بتحقيق فوز على إيران، قد يمكنها من الصعود في مجموعة قوية تضم الأرجنتين والبوسنة، وانقادت غانا إلى هزيمة موجعة ضد منتخب الولايات المتحدة الأميركية قبل ملاقاة المنتخبين الألماني والبرتغالي، وقبلهما ظهر المنتخب الكاميروني بمستوى متواضع ولم يقدر على الصمود أمام المنتخب المكسيكي، ليحكم على نفسه بالخروج من الباب الصغير بما أن المهمة تبدو صعبة للغاية للتدارك مع منتخبي البرازيل البلد المنظم وكرواتيا.

وبقي المنتخب الإيفواري الاستثناء الأفريقي الوحيد إلى حد الآن (دون اعتبار نتيجة المنتخب العربي الجزائري ضد نظيره البلجيكي)، بما أنه فاز في مباراته الافتتاحية وأعلن نفسه مرشحا بارزا للتأهل إلى الدور الموالي.

ثلاثة منتخبات أفريقية وضعت منطقيا قدما خارج المونديال بعد أن صعّبت كثيرا من مهمتها، وأصبح السيناريو الدرامي الذي يتكرر في أغلب دورات كأس العالم جاهزا للتصوير، وهو ما يجعلنا من الآن نتكهن بأن نبوءة بيليه الذي صرح منذ سنوات عديدة، بأن مستقبل كرة القدم سيكون في القارة السمراء، لن يتحقق قريبا. لكن لماذا لم تقدر كل المنتخبات الأفريقية إلى اليوم على تحقيق إنجاز كبير؟ ولماذا تفشل في كل مرة بالوصول إلى المربع الذهبي رغم أنها تكون الطرف الأفضل والمرشح الأبرز في المواجهات الحاسمة؟

لماذا وفقت الكرة الآسيوية في تحقيق هذا الإنجاز وبلغ منتخب كوريا الجنوبية الدور نصف النهائي لمونديال 2002، فيما أخفقت جل المنتخبات الأفريقية على مدار مشاركاتها في تحقيق هذه الغاية رغم عراقتها وتصديرها للاعبين “نجوم” إلى أوروبا؟

كلمة واحدة قد تحمل الإجابة هي “السذاجة”، أو لنقل غياب النضج وعدم التعامل بواقعية مع خصوصيات الحدث الكروي الأبرز.

حماقة النيجيريين جعلتهم يضيعون انتصارا ثمينا أمام إيران

سنعود في كتاب تاريخ المشاركات الأفريقية صفحات إلى الوراء لاستعراض أهم “الصفعات” التي تعرضت لها الكرة الأفريقية في كأس العالم، فمنذ 24 عاما كان المنتخب الكاميروني مبدعا ورائعا وكاد يحقق الإنجاز التاريخي بعد تلاعبه بكل المنتخبات لعل أبرزها منتخب الأرجنتين القوي، لكنه خسر بـ”بلاهة” ضد المنتخب الإنكليزي في ثمن النهائي 3ـ2، بعد أن كان متقدما في النتيجة، وتكرر المشهد في مونديال 1994، عندما مر المنتخب النيجيري بجانب الحدث وخسر بطريقة درامية ضد المنتخب الإيطالي بعد هدف قاتل من الموهوب روبيرتو باجيو، ولم يختلف الأمر أيضا في مونديال 2002، عندما فوت المنتخب السينغالي على نفسه فرصة الصعود على حساب المنتخب التركي الذي هزمه في دور الثمانية بعد تمديد الوقت، أما في المونديال الأفريقي سنة 2010، فقد خرجت كل المنتخبات الأفريقية منذ الدور الأول باستثناء المنتخب الغاني الذي حرمته “يد” مهاجم الأوروغواي سواريز وكذلك رعونة مهاجمه أسامواه جيان من دخول نادي الأربعة الكبار بعد مباراة “مجنونة” وغريبة الأطوار كان خلالها المنتخب الغاني متأهلا لو تمكن جيان من إسكان الكرة الشباك في الدقيقة 90 بعد حصول منتخب بلاده على ضربة جزاء.

أسباب كثيرة منعت المنتخبات الأفريقية من تدوين اسمها ضمن “القوى” العظمى في بطولات العالم، منها ما هو مرتبط بتواضع مستوياتها وضعف تحضيراتها ومنها ما هو مرتبط بغياب الحظ والتوفيق، ومنها أيضا الكثير من السذاجة في التعامل مع خصوصية المقابلات الكبرى، لذلك كان قدر منتخبات القارة السمراء الخروج دوما من الباب الصغير والاكتفاء بإكمال عدد المنتخبات المشاركة في المونديال.

واليوم وبعد خوض منافسات الجولة الأولى في كل المجموعات، لا يمكن أن نكون متفائلين كثيرا بقدرة هذه المنتخبات على الذهاب بعيدا خاصة وأن نتائج مبارياتها الأولى (الكاميرون ونيجيريا وغانا تحديدا) كانت سيئة، لتستعيد الأذهان ذكريات الفشل المستمر وعقدة الخروج المبكر، فلا المنتخب الكاميروني يبدو قادرا على قلب المعطيات بعد أن أظهر مستوى متذبذبا وغطرسة مفرطة من قبل لاعبيه في المقابلة الأولى، ولا نخال أيضا أن المنتخب الغاني خبير بما يكفي للتعامل مع منتخب ألماني قوي ومنتخب برتغالي متمرس وقادر على لملمة جراحه، أما المنتخب النيجيري فقد شكل بدوره مفاجأة غير سارة وكذّب كل التكهنات التي رشحته ليكون “حصان” أفريقيا الرابح في المونديال البرازيلي ليكتفي بتعادل أشبه بالخسارة ضد منتخب إيران بسبب تهاون مهاجميه وأخطاء مدربه، وباتت المهمة صعبة للغاية في المرور إلى الدور الموالي بما أنه سيواجه منتخبا أرجنتينيا منتعشا بوجود نجمه الأول ليونيل ميسي ومنتخب البوسنة الذي تجاوز مرحلة الاكتشاف المونديالي بما أنه يشارك لأول مرة.

لكن رغم كل هذا يبقى الأمل قائما ومعقودا في المنتخب الجزائري العربي الذي يبقى قادرا على الصمود وتحقيق نتائج جيّدة في مجموعة تبدو متوازنة تضم المنتخب البلجيكي ومنتخبي روسيا وكوريا الجنوبية، فضلا عن المنتخب الإيفواري الذي يبدو أنه اكتسب الخبرة المطلوبة وحول تأخره ضد المنتخب الياباني إلى فوز مثير ويبقى قادرا على التأهل والتقدم بعيدا في البطولة متى تخلص من داء “السذاجة” الذي كان دوما المنافس الأول للمنتخبات الأفريقية.

23