السراج في الجزائر.. الثوابت والمستجدات

الأربعاء 2016/10/05

الزيارة التي قام بها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، فايز السراج، إلى الجزائر، في الثالث من أكتوبر الجاري، بدعوة من الوزير الأول الجزائري عبدالمالك سلال، أكّدت على موقفين ثابتين للجزائر، وكشفت عن ثلاثة مستجدات تتعلق بالشأن الليبي في أبعاده المحلية والإقليمية والدولية، وسواء تعلق الأمر بالموقفين أو المستجدات، فإن هناك جسورا تتمدد بين ليبيا والجزائر، ستكون مؤثرة وفاعلة لدفع ليبيا نحو الاستقرار ولو كان جزئياّ.

الموقفان الثابتان هما: رفض التدخل الخارجي في الشأن الليبي، مهما كان سواء كان عسكريا أو سلميا، وعدم إقصاء أيّ طرف ليبي من الحوار بما في ذلك الإسلاميون باستثناء الجماعات الإرهابية، ولذلك تنظر الجزائر بعين الريبة والحذر إلى كل نشاط تقوم به فرنسا تجاه ليبيا، وتراها مسؤولة عن الوضع المأساوي الذي تعيشه ليبيا، وهي، الجزائر، رفضت التدخل العسكري من حلف الناتو لإسقاط معمر القذافي في 2011، وترفض اليوم التدخل العسكري الفرنسي، وترى أن الوضع الراهن في ليبيا يخص الليبيين دون سواهم، وهو ما أكّده وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية عبدالقادر مساهل، خلال مؤتمر صحافي مشترك، مع وزير خارجية حكومة الوفاق الليبي، محمد الطاهر سيالة، حيث قال “موقف الجزائر واضح منذ البداية ونحن ضد التدخل الأجنبي في الشؤون الليبية كدولة جارة للجزائر.. نحن نعرف الليبيين وبإمكانهم حل مشاكلهم بأنفسهم”.

من ناحية أخرى أبدت الجزائر انزعاجها من اجتماع باريس (3 أكتوبر الجاري)، الذي استمر ليوم واحد، وحضره ممثلون عن مصر وقطر والإمارات وتركيا، بهدف دعم حكومة الوفاق الوطني التي يقودها السراج، من أجل وحدة ليبيا، فقد انتقد عبدالقادر مساهل كثرة المبادرات وعلّق على اجتماع باريس بقوله “الاجتماع لا يهمنا، سمعنا أن هناك اجتماعا في باريس لكن ما يهمنا هو وجود الإخوة الليبيين هنا في الجزائر”، وأضاف “هناك مسار هو مسار الأمم المتحدة، ونحن ضد المسارات هذه، وكل طرف يقول عندي مبادرة.. بالنسبة إلينا المبادرة الوحيدة التي سنشارك فيها هي المبادرة الليبية وهي الحوار والمصالحة الوطنية”.

عمليّا ليس صحيحا أن الجزائر لا يهمها اجتماع باريس، لثلاثة أسباب أولها: أنها ترى في فرنسا فاعلا أساسيا اليوم في ليبيا، سياسيا من خلال دعم حكومة السراج وعسكريا من خلال تواجد القوات الفرنسية، بل إنها تراها أكثر خطرا من الولايات المتحدة الأميركية. وثانيها أن فرنسا تعمل على إيجاد تحالفات مع بعض الدول من خارج المنطقة (تركيا وقطر والإمارات) مما يؤثر سلبا على الفضاء الجزائري. وثالثها أن الجزائر ترى في فرنسا داعما لفريق على حساب آخر، وهذا سيطيل من عمر الأزمة الليبية وبالتي يؤثر على استقرار الجزائر.

وعلى العموم فإن الجزائر متخوفة وقلقة من كل التدخلات الأجنبية في ليبيا لأنها ذات صلة بالمصالح المباشرة للدول المتحكّمة في الملف الليبي، وهذا ما ذهب إليه وزير الخارجية بحكومة الوفاق الليبي محمد سيالة حين قال “الأطماع الخارجية أخرت المصالحة والحوار السياسي الليبي”، مؤكدا أن الجزائر داعمة لهذا الحوار، فهل فعلا هي كذلك؟

منذ بداية الأزمة الليبية، عملت الجزائر على دعم الحوار بين الأطراف المتصارعة، وتعد في نظر المراقبين إحدى الدول التي قادت وساطات في الأزمة الليبية، واستضافت سابقا لقاءات ومفاوضات بين شخصيات سياسية وأحزاب ليبية من أجل تشكيل حكومة وفاق وطني، ولها تأثيرها الداخلي، فكيف لها اليوم أن تقبل بحكومة السراج التي تحظى بدعم دولي، ووجودها يتناقض مع رؤية الجزائر لحل الأزمة؟

يقودنا هذا إلى المستجدات الثلاثة، المذكورة في البداية، وتمّ استنتاجها من زيارة فايز السراج إلى الجزائر أولها: أن دعم الجزائر لحكومة الوفاق الوطني مرهون بحوار وطني يجمع كل الأطراف اعتمادا على التجربة الجزائرية، وقد جاء ذلك واضحا في تصريح محمد سيالة “إن طرابلس ترغب في الاستفادة من التجربة الجزائرية في المصالحة والوئام الوطني.. وقد طلبنا رسميا أدبيات هذه التجربة والتشريعات التي سنت للتمهيد لها والاستفادة منها”، وهو يقصد هنا الاستفتاء الذي طرحته الجزائر في سبتمبر 2005، حول ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، والذي تضمن عفوا مشروطاً عن المسلحين في الجبال مقابل ترك العمل المسلح، وإنهاء موجة العنف المسلح في البلاد، وشرع في تطبيقه في فبراير 2006.

والواقع أن مسألة الحوار الليبي الليبي أصبحت قناعة لدى رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية حتى قبل زيارته إلى الجزائر، إذ سبق له أن صرح بأن “الحوار وحده يمكن أن يجنب البلاد حربا أهلية. دعونا إلى مصالحة وطنية شاملة وأعتقد أن هذا هو الخيار الوحيد لليبيين، وعليهم التحاور والمصالحة.. ليس هناك إقصاء لأحد.. يجب أن نقف جميعا في مكافحة الإرهاب”.

هذا الموقف تسانده الجزائر، لكنها تختلف معه حول تقديم تنازلات للمشير خليفة حفتر، لأنها ترى فيه معطلا للحوار، وإن كانت لا تقف ضد إشراكه في حوار وطني موسع على أن ينهي تبعيته للخارج.

ثانيها تنبيه حكومة الوفاق الوطني إلى أن المساهمة في حل أزمة ليبيا، لن تكون خارج الإقليم، وبهذا الخصوص ترى الجزائر أن الحل يتم بمساهمة دول الجوار والاتحاد الأفريقي، وذلك لقطع الطريق أمام فرنسا وحلفائها، وهو ما كشف عنه مساهل “الاتحاد الأفريقي سيطلق مبادرة، قبل نهاية أكتوبر الجاري، حيث ستجتمع لجنة خماسية لمتابعة الأوضاع في ليبيا بحضور دول الجوار.. وأن الاجتماع المقبل الذي ستحتضنه العاصمة النيجرية نيامي، جاء بمبادرة من الاتحاد الأفريقي في إطار متابعة الأوضاع بليبيا”.

خلال السنوات الماضية عقدت دول الجوار عدة اجتماعات لدعم ليبيا، ولم تحقق أي نتائج تذكر، ولكن إصرار الجزائر على مشاركة الدول الأفريقية في حل الأزمة، المقصود به منع دعم قوات خليفة حفتر بالسلاح، والحيلولة دون هروب عناصر داعش والجماعات الإرهابية إلى دول الجوار، وعدم السماح بمواصلة اختراق المجتمع الليبي وتأجيج الصراع من طرف الاستخابرات الأجنبية.

ثالث المستجدات، يتعلق بدور لجماعات الرئيس معمر القذافي، لجهة قيامها بدور قد يحدث توازنا في السلطة، حيث تشير مصادر مطلعة إلى أن تلك الجماعات تتكون من أتباع سيف الإسلام القذافي، وعناصر كانت في الحكم، وقبائل مؤيدة للنظام السابق، بالإضافة إلى مؤيدين للوحدة الوطنية وبعض الشباب الرافض للوضع الراهن.

والمتوقع أن تشارك تلك الجماعات في أي حوار وطني موسع، ومن هنا يمكن لنا فهم دراسة حكومة الوفاق الوطني للتجربة الجزائرية في المصالحة الوطنية، وهذا يتم التحضير إليه بإشراف دولي، واجتماع فرنسا يدخل في هذا الإطار، لكن دولا عربية مثل مصر تتخوف من إخوان ليبيا إن تم إشراكهم في السلطة، مما قد يشكل إحراجا لها في الداخل والخارج.

كاتب وصحفي جزائري

8