السردية الرقمية

حتى الآن لم يثبت أن للسرد الرقمي جمهورا واسعا، أو أنه يحظى بمقبولية جماعية نتمكن عبرها من إيجاد نِسَبٍ قرائية متاحة ومؤشرات ضامنة لهذا النوع الجديد.
الخميس 2018/08/02
هل يكتسب النشر الرقمي العاطفة القديمة التي أوجدتها رائحة الكتاب الورقي

تسارع تكنولوجيا الإلكترونيات وتطور تقنياتها بشكل سريع أوجدا جيلا قرائيا جديدا تضامن مع هذا التقدم المعلوماتي بطريقة مباشرة، واكتسب الكثير من الخبرات الممكنة لمواكبة طرق المعرفة المتعددة عبر الإنترنت والكمبيوتر، الذي وضع الحياة الثقافية على محكّات جديدة من الأساليب العلمية والتقنيات المتنافذة مع مفاهيم أدبية وثقافية جديدة، ليس أقلها السرد الرقمي كحدث إلكتروني مستحدَث وُجِد بديلا للسرد الورقي في محاولة لرسم أثر جديد في الحياة الأدبية بآليات جديدة. فهذه رواية رقمية وهذه اشتغالات سينمائية وفنية رقمية.. وهكذا.

الباحثة الجزائرية وهيبة صالح في كتابها “السردية الرقمية – آليات إنتاج السرد الرقمي“ توسعت كثيرا مع هذا المفهوم الذي شكّل ثورة إلكترونية بسرديات الرقمنة حينما خرجت عن التوصيفات الورقية الجاهزة المعتادة بين الأجيال الأدبية المتناوبة، بوصفٍ معقول وواقعي من أنّ لكل جيل نقاَده وباحثيه وقرّاءه، حينما أصبح الكمبيوتر والإنترنت ضرورة قصوى في حياة المثقف، وهي ضرورة أملاها التسارع التقني والمعلوماتي الإلكتروني، ومن ثم تطورت أساليب الكتابة وجمالياتها وزوايا النظر إليها عبر هذا “الرقمي” الذي اخترعه الكمبيوتر وبرمجياته المثيرة للجدل بشكل غيّر الكثير من المفاهيم القديمة- الورقية وأدخلها في بوابات مستحدثة ودقيقة ترى الباحثة أن اقتران الرقمنة “يعني إضافة خصوصية.. على معنى الأدب”، وهذا ما تريد الباحثة أن تقوله بوضوح وتبني أفكارها الجديدة عليه أيضا.

وبين معارِض لفكرة الرقمنة السردية بأجوائها الغريبة وبين روادها الجدد الذين تشير إليهم في كتابها. تتساءل الباحثة: هل السرد الرقمي مرحلة جديدة من مراحل السرد العربي؟ وهذا سؤال يمتد على أكثر من 500 صفحة ورقية معززا بالشواهد العلمية والمصادر الإلكترونية والأدلة الأدبية- الرقمية والشهادات الشخصية والكتب المتخصصة بالبرمجيات والصفحات الإلكترونية والمواقع الأدبية؛ معتمدة في بحثها الطويل ودراستها المصدرية على المنهج البنيوي في نظرية السرد وتطبيقاته الإجرائية، وهو ما يجعل الكتاب كنزا معرفيا لمفهوم الأدب الرقمي بتشعباته ومسمياته وكيفية التعامل معه.

حتى الآن لم يثبت أن للسرد الرقمي جمهورا واسعا، أو أنه يحظى بمقبولية جماعية نتمكن عبرها من إيجاد نِسَبٍ قرائية متاحة ومؤشرات ضامنة لهذا النوع الجديد الذي -ربما- سيكون له شأن في الحياة الثقافية العربية المتطلعة إلى جماليات الكتابة من أبوابها الواسعة. ومع أن الباحثة اجتهدت لإيراد الكثير من الأدلة الواقعية على شيوع السرديات الرقمية إلا أن القضاء على السرد الورقي ليس بالأمر السهل وفكرة الكتابة الإلكترونية لا تزال في طورها الوليدي، لكن مع هذا سنتقبل الأفكار الجديدة بوصفنا قرّاء نواكب انفتاح حلقات التطورات في تكنولوجيا الإنترنت الواسعة، على أن نلاحظ أكثر من خلل في التلقي العام لا ينفصل عن سوء الظن الذي أوجده مناخ القراءة والكتابة أيضا في الرقميات الجديدة التي تشيد بها الباحثة وتستوعب مقادير الجماليات المتوقعة في كتابها، على أساس ما يمثله السرد الرقمي من “رؤية جديدة في تقديم الحكاية بواسطة الكلمة والصورة والصوت”.

مثل هذه الأفكار التي أوجدتها ثورة الإلكترونيات يتوجب أن نبحث عن معطيات قد توصف بأنها مضادة أو عكسية في أسئلة معقولة ومتاحة تتعلق بالمقبولية الاجتماعية والأدبية والأكاديمية؛ وهي أسئلة واردة، فهل النشر الرقمي بديل فعلي عن النشر الورقي؟ وهل يحظى بجماهيرية واسعة حتى الآن؟ وهل هو امتداد للنشر الورقي أم بديل عنه؟ وهل يكتسب العاطفة القديمة التي أوجدتها رائحة الكتاب الورقي؟

المدوّنات الكثيرة التي نطالعها لها جمهور شخصي، ليس بالضرورة أن يكون نوعيا، فالتجمعات الشبابية تفرز مثل الجمهور الذي لا تتعدى قراءاته ما يُنشر في المدوّنات والصفحات الشخصية، فلم يترسخ بعد وعي القراءة الإلكتروني بشكل جاد ومنتِج ونوعي على ما نعتقد، لكن بالضرورة أن الشأن المرجو هو أن ينفتح الكتاب الرقمي بطريقة مستقطِبة في نوعية ما يُنشر فيه من سرديات أدبية. ونظن تماما أن الباحثة المجتهدة التي أنتجت هذا الكتاب (الورقي) قادرة على فرز النوع الإبداعي في النصوص الرقمية الخارجة عن النمط التقليدي وهي تقدم فرضيات واحتمالات قد يُنضجها الوقت في المستقبل القريب.

14