السرد الروائي في الإمارات والحنين إلى استعادة المكان القديم

السبت 2013/08/31
فاطمة المزروعي وعلي أبو الريش: المكان يمنح المتخيل الحكائي مظهرا مماثلا لمظهر الواقع

تتسم علاقة الإنسان بالمكان بكونها علاقة وجودية، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش إلا في حيز مكاني ينتمي إليه ويتحرك فيه، وبذلك تنشأ بينه وبين المكان علاقة ارتباط قوية يستحيل الفكاك منها، لكنها تبقى علاقة تفاعل يتبادل فيها كل من الإنسان والمكان التأثير والتأثر، وقد حاولت الرواية الواقعية منذ القرن التاسع عشر، أن تجعل من المكان عنصرا فاعلا في مغامرة الكتابة الروائية، وبؤرة أساسية وأولية تجلت في التحفيز المكاني، أو العتبة المكانية التي كانت تشكل فاتحة السرد، حيث ظهر تركيز الروائي في وصفه، على استحضار تفاصيل المكان ومنحه أسماءه الحقيقية بغية الإيهام بواقعيته، وإعطاء المتخيل السردي مظهرا مشابها للواقع.

شكل كل من المكان والشخصية مكونين أساسيين من مكونات السرد الروائي، وبرزت العلاقة الجدلية بين االمكونين، من خلال ارتباط وجود كل منهما بالآخر، إذ لا يمكن أن توجد شخصية دون وجود مكان تنتمي إليه وتعيش فيه، ولا مكان دون وجود شخصية تتحرك فيه، وتقوم بوصفه وتقديمه، والكشف عن طبيعة علاقتها به، الأمر الذي يجعل اختيارنا لكل من المكان والشخصية هدفا للبحث والتقصي، ينبع من إدراك تلك العلاقة الوثيقة بينهما، والتي يتحدث جيرالد برنس عنها عند تعريفه للفضاء المكاني بقوله: "إن ملامح المكان وكذلك الروابط بين الأماكن التي تذكر يمكن استنباط دلالة لها، كما تعمل بنائيا كموضوع سردي قابل للتحليل، أو كأداة من أدوات بناء الشخصية".

ونظرا لأهمية الدور الذي يلعبه المكان في السرد الروائي، فقد اعتبره هنري متران العنصر الذي يؤسس للحكي، من خلال ما يقوم به من دور في منح المتخيل السردي الحكائي مظهرا مماثلا لمظهر الواقع، إضافة إلى ما يسهم به على مستوى خلق المعنى داخل العمل الروائي.


احتفاء بالمكان


ثمة مقاربات تناولت موضوع المكان في الرواية والقصة الإمارتية، لكن أغلب تلك المقاربات لم تتناوله، بوصفه عنصرا فاعلا ومؤثرا في مغامرة السرد الحكائي، وبؤرة تقوم بعملية إسناده وتنظيم وقائعه وأحداثه.

من هنا فإننا سوف نركز على الدور الذي يلعبه المكان في هذه الرواية، سواء من حيث ما يقوم به من دور في ربط الأحداث، أو في الكشف عن وجهات نظر الشخصيات، التي تعيش فيه ويرتبط وجودها به، ما يجعل المنظور الذي تتخذه الشخصية هو الذي يحدد أبعاد الفضاء الروائي، ويرسم طبوغرافيته ويجعله يحقق دلالته الخاصة وتماسكه الإيديولوجي.

يعاش المكان في الرواية الإماراتية من خلال مستويات مختلفة، وبالتالي يظهر من خلال وجهات نظر متعددة. ولما كانت السمة الغالبة على هذه الرواية هي السمة الواقعية باستثناء أعمال الروائي علي أبو الريش، التي تنتمي إلى رواية تيار الوعي، فقد احتفت هذه الرواية كثيرا بالمكان، الذي شكل فيها عنصرا مهيمنا، يتصدر السرد الحكائي ويؤسس له، مشكلا خزانا للأفكار والمشاعر، إضافة إلى دوره في تنظيم أحداث الرواية، في حين كان له دور البطولة في روايات علي أبو الريش، التي اهتمت كثيرا بالمكان الروائي، وعملت على تأكيد العلاقة الجذورية التي تربط شخصياتها به على المستوى الوجودي، ما جعله يعمل على خلق المعنى داخل النص الروائي.

لقد عملت الرواية الإماراتية على منح المكان الجغرافي داخل العمل أبعادا نفسية واجتماعية وتاريخية وعقائدية، كاشفة عن التبدل والتحول، الذي طرأ على هذا المكان، وانعكس على حياة شخصياته ووعيها وعلاقتها بالعالم، داخل العمل الروائي سلبا أو إيجابا، بسبب اختلاف طبيعة وعيها المكتسب الذي يلعب دورا مهما، في بلورة وجهة نظرها التي لا يمكن للمكان أن يظهر إلا من خلالها، وذلك بعد التحولات الكبيرة والمتسارعة التي شهدها المجتمع الإماراتي، في العقود الماضية على المستوى الاقتصادي والعمراني والثقافي والاجتماعي.


حكاية المكان


اعتمدنا، في قراءتنا لعدد من الأعمال الروائية والقصصية الإماراتية، مسارين اثنين، منفصلين ومتصلين في آن معا، مسار أول يروم دراسة المكان بهدف الوقوف على سماته الجغرافية والاجتماعية والنفسية، كما قدّمته تلك النصوص، وعلى علاقة التأثير المتبادلة بين الشخصيات والمكان، ودور ذلك في إنتاج المعنى داخل تلك النصوص، إضافة إلى دراسة كيفية تحول المكان في الرواية إلى عنصر حكائي، من خلال تصدره للسرد الذي جعل منه بؤرة سردية كبرى، تتفرع عنها بؤر أخرى، ما جعل المكان يتحول إلى عنصر مهيمن وفاعل في التجربة، التي يقدمها النص الروائي.

أما المسار الثاني فيتناول الشخصية الروائية من حيث كونها تمثيلا لأنماط من الوعي الاجتماعي، تحمل كثيرا من صفات الثبات والتحول التي تتصف بها، إضافة إلى طبيعة العلاقة الحاكمة لتلك الشخصيات بعضها ببعض داخل العالم التخييلي للرواية، وعلاقة الشخصية من حيث تطورها، وما يطرأ عليها من تبدل وتحول بالتطور الدرامي للأحداث داخل العمل الروائي، إلى جانب دلالة الأسماء التي تحملها تلك الشخصيات، والتي تشكل علامة لغوية بامتياز، تدل من حيث صفاتها وألقابها على وضعها الاجتماعي ومكانتها، كما يمكن أن تحيل من خلالها على بيئة اجتماعية بعينها دون سواها.


فاعلية المكان


لقد جعل الحضور المكثف والدال للمكان في رواية السيرة، باعتبار الحدث فيها يتم بناؤه في نطاق المكان، عنصرا مهيمنا أو بؤرة مركزية يدور حولها عالم الرواية.

كما سنجد ذلك واضحا في بعض الأعمال الروائية الإماراتية، والتي تمثل أنماطا مختلفة من الرواية، مثل رواية تيار الوعي ممثلة برواية زينة المكان للروائي علي أبو الريش، ورواية السيرة الذاتية، كما في رواية زاوية حادة لفاطمة المزروعي، ورواية التخيل التاريخي في رواية طروس إلى مولاي السلطان لسارة الجروان، وقصص المكان الغريب والشخوص الغريبة في مجموعة رأس ذي يزن لسعاد العريمي.

والروايــة الشفاهيـة في المجموعة القصصية «بنت نارنج التارنج» لسارة الجروان، والصحراء في رواية «طوي بخيتة »لمريم الغفلي، حيث يمكن اعتبار هذه الأعمال السردية تمثيلات مختلفة لأنواع التجارب الروائية والقصصية، في المشهد السردي الإماراتي الراهن.

16