السرد الساخر

كتّاب عرب كُثر تضمّنت أعمالهم الروائية جرعات من السخرية والتهكم والمفارقة في سياق نقد الظلم والقهر والقمع في شتى صوره، من بينهم الكاتب العراقي المتمرّد شمران الياسري.
الأحد 2018/05/06
رواية إيميل حبيبي "المتشائل" فريدة من نوعها

قرأت مؤخرا أن منشورات جامعة هارفارد بدأت بإصدار سلسلة من نصوص الأدب الساخر في عصور عديدة. والمعروف أن هذه المنشورات متخصّصة في إصدار مجموعات نوعية شديدة التخصّص.

نشأت السخرية في أحضان الفلسفة قبل أن تنتقل إلى النظرية الأدبية والدرس البلاغي، ووردت كلمة “سخرية” في “جمهورية أفلاطون” على لسان أحد الأشخاص الذين وقعوا فريسة محاورات سقراط، وهي طريقة معيّنة في المحاورة لاستدراج شخص ما حتى يصل إلى الاعتراف بجهله. ووردت الكلمة نفسها عند تلميذه أرسطو بمعنى الاستخدام المراوغ للغة، أي أنها شكل من أشكال البلاغة، يندرج تحتها المدح في صيغة الذم، والذم في صيغة المدح.

الأدب العربي زخر، في عصوره المختلفة، بألوان عديدة من السخرية، وكانت قصيدة الهجاء أحد أنواعها في شعر ما قبل الإسلام وبعده، فهي ذات منحى ساخر وکاريكاتوري یتفنن فیها الشاعر بإلصاق الصفات المثیرة للسخریّة بالشخص المهجو. لكن العصر العباسي، الذي شهد حركة أدبية وفكرية شاملة، واحتدت فيه التناقضات الاجتماعية والصراعات السياسية، كان أزهى عصور السخرية.

فإلى جانب الجاحظ، أستاذ السخرية بلا منازع،  اشتهر في الشعر أبودلامة، الشاعر الظريف، الفكه، الماجن الذي داهن الخلفاء بنوادره من أجل الحصول على أعطياتهم، ولم يتورع عن توجيه سهام السخرية حتى إلى نفسه رغبة في التخلص من بعض المواقف الحرجة التي يوضع فيها.

أما في السرد القديم فقد برز بديع الزمان الهمذاني والحريري في مقاماتهما التي جمعا فيها بين التوظيف الأسلوبي والفني والنقد الساخر للمجتمع في القرن العاشر الميلادي، المنقسم إلى طبقات وأصحاب حرف متعددة، وجعلا منها تنتهي إلى فلسفة واحدة هي السخرية من العالم، واقتناص ما يمتلكون بشتى الحيل والمداورات من غير تورع ولا استحياء.

 ويُعتقد أن المقامات أسهمت في ظهور رواية المُكدِين في إسبانيا خلال القرن السادس عشر، ثم صاحبت ميلاد رواية “الدون كيخوتة” التي تعد الرواية المؤسسة للجنس الروائي، كونها رواية ساخرة تتأسس على التناقض بين شخصية دون كيخوتة وخادمه سانشو بنثا، ثم شاعت في أوروبا لتصبح مقدمة لظهور الرواية بمفهومها الحديث، كما شكّلت موضوعا نال اهتمام عدد كبير من الباحثين العرب والمستشرقين في حقل الدراسات العربية.

حديثا شاعت السخرية في الرواية والقصة والمسرح والسينما، وأصبحت أحيانا لونا من الكوميديا السوداء، ويرى بعض النقاد والدارسين أن الكاتب اللبناني خليل الخوري، صاحب الرواية العربية الرائدة “وَيْ. إذن لستُ بإفرنجي” (1859)، هو مؤسس السخرية في السرد الروائي العربي، فروايته هذه تسخر من الطبقة الاجتماعية التي تشعر بعقدة أمام الخواجة الأجنبي، ويستشف القارئ منها أثر الفرانكوفونية في الإكبار من قيمة “الفرنَسة” بين فئات الشعب العربي، خاصة في بلاد الشام، من بيروت وحتى حلب.

يليه الكاتب المصري إبراهيم عبدالقادر المازني، فلا تكاد واحدة من مجموعاته القصصية، التي بدأها في مطلع العقد الثالث من القرن الماضي، تخلو من نقد اجتماعي قائم على السخرية. كذلك كان القاص السوري حسيب كيالي أحد أبرز كتّاب القصة الساخرة، ففي قصصه الأولى، التي كتبها منتصف الأربعينات، كان شديد الارتباط بقصص تشيخوف، ذات النكهة الواقعية المطعّمة بشيء من الفكاهة. كما أنه كان قريبا من موليير في بعض قصصه الهزلية.

تلى هؤلاء كتّاب عرب كُثر تضمّنت أعمالهم الروائية جرعات من السخرية والتهكم والمفارقة في سياق نقد الظلم والقهر والقمع في شتى صوره، من بينهم الكاتب العراقي المتمرّد شمران الياسري في رباعيته (الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، وفلوس حميّد) (1972)، وهي رواية أقرب ما تكون إلى توثيق لحقبة زمنية من تاريخ العراق منذ عشرينات القرن الماضي حتى منتصف الستينات، يستعرض فيها الياسري الحراك السياسي والاجتماعي لشعب مقهور خرج من الاحتلال العثماني ليخلفه الاحتلال البريطاني، فنظام ملكي وجمهوري وحكومات متعاقبة.

 ثم الكاتب الفلسطيني إيميل حبيبي في روايته “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” (1974)، وهي رواية تتألف من مجموعة رسائل أرسلها سعيد أبوالنحس المتشائل إلى الراوي بعد أن اختفى مع رجل الفضاء.

وتعتبر رواية فريدة من نوعها، ليس بالأسلوب فقط وإنما بالموضوع أيضا، فهي تمتاز بمعارضتها ومناهضتها للاحتلال الإسرائيلي في معاملته للعرب أصحاب الأرض. وكتب بعد إيميل حبيبي ثلة من الكتّاب العرب روايات ساخرة لا يسع المجال لذكر أسمائهم.

ويبقى أن أسأل، بعد هذه الوقفة المكثفة على الأدب العربي الساخر، لماذا لا تتبنى إحدى المؤسسات الثقافية العربية مشروعا شبيها بمشروع منشورات جامعة هارفارد، لنشر نماذج من السرد الروائي والقصصي العربي الساخر؟ وهل ثمة توجه في جامعاتنا إلى تشجيع طلبة الدراسات العليا في كليات الآداب على دراسة هذا اللون من السرد في أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير؟

13