السرد الفوتوغرافي

الخميس 2017/04/27

نحتفظ بصور حياتية كثيرة، أسرية وشخصية وعامة لنا ولغيرنا، تمتلئ بها حيطان غرفنا وكلها تشير إلى ما مضى؛ فالصورة ماضٍ مهما كانت حداثة تصويرها وإن كانت قبل لحظات عندها يكون الزمن قد مضى وبقيت سردياته الأثيرة معلقة أو مؤرشفة أو مسكونة بين أغلفة دفاتر وألبومات مظلمة.

لا تشير الصورة الفوتوغرافية إلى الحاضر لكنها موجودة فيه، غير أنها بطبيعتها الزمنية تتراجع إلى الماضي لتؤرخ لحظته الشخصية أو العامة. وحينما تكون أمامي صورة “الطفل” الملك فيصل بأناقته الأرستقراطية فلا بد أن يعود بي الزمن تقريباً إلى قرن مضى وتطوف في رأسي بغداد في تلك الفترة المتفتحة على أسطورة الدولة الحديثة بعد جلاء الاستعمار البريطاني، ومن اليقين أتذكر المس بيل صانعة الملوك بدبلوماسيتها الناعمة التي أسست لنظام ملكي حاذق. ولكن حينما ترى صورة جمال عبدالناصر وهو يلوّح بيديه من القطار النازل إلى الريف المصري ستستعيد أمجاداً عربية قديمة باسم القومية التي تآكلت بفعل مستحدثات الزمن السياسية كما تآكلت صورة القطار وتوارى الجمهور الراكض وراء القطار لتلتحق أجياله بميدان التحرير في ثورتين كبريين لا تزالان علامتين من علامات القوة الشعبية غير السياسية إلى حد بعيد.

في هذه الحالة أو تلك ستتذكر العديد من الروايات العربية التي ملأت الحقبتين سرداً وجمالاً وإبداعاً عند نجيب محفوظ وطه حسين وإحسان عبدالقدوس وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان، ومثل هذا السرد الفوتوغرافي كثير وكثير يوازيه سرد روائي وقصصي تعاقب جيلياً وتطورت أدواته وأساليبه ورؤاه الفكرية والفنية.

الصورة الفوتوغرافية باقية لا تتطور، وإنها حسب تعبير رولان بارت” تشبه الحليب المتخثر” فلحظة التصوير الثابتة باقية كما هي مهما تعاقب الزمن عليها وتوالت الأجيال في استكشافاتها النظرية والميدانية والعلمية والفكرية والأدبية. لكن لحظة الزمن الروائي تتغير بمعنى تطور الرؤيا للكتابة، فالحليب البارتي الخاثر توصيف دقيق لتجميد الماضي عبر الفوتوغراف. بيدَ أن الكتابة يمكن أن تُصاغ من جديد لتحتمل التنقيح والتصحيح والإضافة بينما الصورة الفوتوغرافية لأمي مثلاً باقية منذ سبعين عاماً بوجهها القروي الموشوم وعينيها السومريتين، ومهما تقادم الوقت والزمن ومتغيرات الحياة ستبقى هي تلك الأم التي أخذوا لها صورة فوتوغرافية لسبب ما في كاميرا الصندوق الخشبي السحري الذي كنا نظن أن هناك من (الجن) من يستطيع إظهار الصورة في نهاية الأمر بعد أن يمد المصور يديه حتى ساعديه ويظل وقتا يطول لا أحد يعرف ماذا يفعل في تلك العتمة الحامضية.

القاص العراقي الراحل محمود عبدالوهاب لديه إمكانية "التصوير" القصصي عبر الفوتوغراف القديم حينما يؤنسن الصورة ويُنطقها سرداً وقَصّاً، ولؤي حمزة عباس تمكن في روايته “مدينة صور” من أن يعيد تاريخ مدينة البصرة فوتوغرافياً بناء على استقدام أرشيف وطني محلي ومحاكاته وإنطاقه ليستعيد منه علامات المدينة كاملة، ومثله فعل حامد فاضل في روايته (بلدة في علبة) حينما تمكن من إعادة صياغة مدينة السماوة عبر أرشيف محلي بطريقة ذكية. وقد تناغم هذان الكاتبان مع المقولة البارتية في أن الصور القديمة هي الحليب الخاثر الذي يمكن إعادة تنقيته وخضّه من جديد لاستكناه الكثير من الجواهر فيه. فالفكرة البارتية الثانية ترى أن “ما نراه ليس هو الصورة” كما لو أنه يقول علينا أن نتتبع التاريخ الزمني للصورة؛ ما قبلها وما بعدها، لإمكانية حدوث سرد أكثر استغراقاً في الوصف والسرد لتفتيت تلك اللحظة الوحيدة والبناء عليها إبداعياً ما دام التصوير لا يقع في باب جنس أدبي معين.

صور كثيرة في حياتنا وبيوتنا وجدران غرفنا وكلها أصبحت من الماضي وكل ماضٍ له قصص وروايات وسرود مختلفة، حتى الأجيال الجديدة التي تحتفظ بالسرديات الفوتوغرافية للأميرة ديانا ونانسي عجرم وكاظم الساهر وميسي ورونالدو وبرشلونة وريال مدريد وغيرها من صرعات الطرب والموضة والرياضة سيكون لها شأن مع أجيال أخرى بعد مئة عام من السرديات.

كاتب عراقي

14