السرد المفتون بذاته بنية ما بعد التقنية

الناقد يرصد تاريخ مصطلحات ما وراء السرد وما وراء الرواية متتبعا تطورها ومساراتها في نظريات النقد الغربي والعربي.
الثلاثاء 2018/03/13
في دراسة مصطلح جديد

الشارقة - في كتابه “السرد المفتون بذاته من الكينونة المحضة إلى الوجود المقروء” يركز الناقد العراقي رسول محمد رسول مصطلحا نقديا جديدا من خلال قراءته لرواية “ساق البامبو” للكويتي سعود السنعوسي، وقد أطلق عليه “السرد المفتون بذاته”.

يعرف رسول المصطلح بأنه احتفاء الكتابة الروائية بذاتها، ويعني أيضاً بأنه الرواية التالية أو الرواية الثانية، أو الحكاية التحتية التي تظهر داخل الرواية التي تحمل عنوانا واسما لمؤلف ما”. وهو وجود إبداعي متخيَّل، وقد تحولت كينونته المحضة أو الأساسية إلى موضوعة حكائية من خلال تمفصلها في مسالك أجناسية جمالية حكائية، كالقصص والروايات والمسرحيات وغيرها.

يستعرض رسول تاريخ المصطلح، موضحا ظهوره في عام 1925 عندما نشر الروائي والناقد الفرنسي جورج دوهاميل كتابه “مقال عن الرواية”، ثم تلاه جيرار جينيت عام 1967 في كتابه “خطاب الحكاية”، بعد ذلك تطور استخدام المصطلح. فروبرت شولز اشتغل نقديا في هذا الحقل دون أن يقدم له تعريفا مانعا، وقد حاول في عام 1970 تعريف ما وراء الرواية عن طريق تفسير طبيعة التخييل الروائي التجريبي المعاصر له عبر أربعة محاور في النقد الأدبي يسميها بالشكلي والبنيوي والسلوكي والفلسفي، رابطا تجليات ما وراء الرواية بتلك المدارس النقدية المختلفة.

بينما تنامت إسهامات آخرين مثل الروائي والناقد الأميركي ويليام غاس فقد هدف في كتابه ”السرد وصور الحياة” الصادر في 1970، إلى اصطفاء مصطلح يقترب بوصفه الدلالي من روح التغيرات التي اجتاحت الرواية، وذلك انطلاقا من قناعته بأن عالم ما وراء النظريات يوجد في الرواية كما يوجد في الرياضيات واللغة والأخلاق، مشيرا إلى تجارب بورخيس و صمويل بيكيت ونابوكوف وغيرهم ممن تصدوا لتيار الرواية التقليدية فاقتربوا من عوالم ما وراء التخييل القصصي.

لا يمكن النظر إلى السرد المفتون بذاته كمجرد تقنية بلا مضمون
لا يمكن النظر إلى السرد المفتون بذاته كمجرد تقنية بلا مضمون

خلص غاس إلى تعريف ما وراء القص بأنه “القص الذي يجذب الانتباه إلى نفسه كونه صنعة ليطرح الأسئلة عن العلاقة بين السرد والواقع”. في فرنسا كان تزفيتيان تودوروف وتجاربه التي وظفت كينونة السرد كأحد العوامل الداخلة في الكون الدلالي للأعمال الإبداعية، مستخدما مصطلحات مثل الاستعارة والوصف النصي وذلك في كتابه “شعرية النثر” (1971)، ويواصل الكتاب استعراض رؤى المنظرين الغربيين من المؤسسين لنزعة ما وراء السرد وصولا  إلى باتريشيا واو وديفيد لودج، مؤكدا أن رؤاهم استقرائية، فتلك النزعة في الكتابة الروائية سبقت التنظير لها لكن وجدت في التنظيرات رؤى دفعتها قدما إلى الأمام لتحقق الشيوع باعتبارها نزعة إنسانية عامة.

وقد انتقلت تلك النزعة إلى الإبداع العربي منذ ثلاثينات القرن العشرين على يد طه حسين وتوفيق الحكيم، وعرفتها العراق عبر تجارب جبرا إبراهيم جبرا في الخمسينات، غير أن كتابتهم كانت ذات طابع إرهاصي قبل صياغة وتداول مصطلح عربي يفسرها، لكن العقود التالية شهدت تطورا للمصطلح وللنزعة القصصية المعبرة عنه على يد روائيين ونقاد مثل إدوار الخراط ومحسن جاسم الموسوي وسعيد يقطين، وأيضا صلاح الدين بوجاه الذي استلهم أفكار جينيت وبارت وبوتور في تناوله لأعمال صبري موسى وخصوصا رواية “فساد الأمكنة”.

لا يمكن النظر إلى السرد المفتون بذاته كمجرد تقنية بلا مضمون، فهو يكتسب هويته من انتمائه لبنية ما بعد التقنية أو وجود حكائي متخيل له خطابه الجمالي والمضموني، أما إذا ظهر كمجرد كينونة محضة فسوف يكون جثة بلا روح، فلا بدّ لذلك السرد من التجسد في قصة أو رواية، فهو بذلك يظهر بوجهين: الأول داخلي أو خلفي بوصفه نظاما يقدم ذاته المحضة كبنية قابلة للانخراط في شكل تعبيري، والثاني معلوم بوصفه موضوعا مسرودا، هنا تنتفي الحاجة لاستعارة المصطلحات الغربية إذ تتكاثف معانيها عند معنى يجسده الناقد رسول  في مصطلح “السرد المفتون بذاته”.

المصطلح الجديد الذي لم يتبلور بعد في نظرية متكاملة لكن ذلـك لا يعني غياب العناصر التي تشغل البناء المعرفي للسرد المفتون بذاته، ومنها الناص أو الكاتب، والتجنيس، والمخطوط، ومعمار الحكاية، والشخصية والقارئ، بل وفعلي الكتابة والقراءة نفسيهما، فمثلما يشرك -هذا النمط من السرد- القارئ في بناء المعنى،  تقوم القراءة بنفس الدور.

الناقد الأكاديمي رسول محمد رسول وعبر أربعة فصول شغلت مساحة ثلثي كتابه رصد تاريخ مصطلحات ما وراء السرد وما وراء الرواية متتبعا تناميها وتطورها في نظريات النقد الغربي، كذلك استعرض  تجارب النقاد العرب في التعامل مع هذا المفهوم، ثم بلور رؤيته الخاصة التي تحاول بناء مفهوم بديل غير معرب يتمثل هذه المفاهيم، فإن توقف جهده عند صوغ المصطلح سيكون كالحطاب الذي جمع حطبا كثيرا، لكن لم يشعل النار، وحتى لا يقول أحدهم “ما جدوى عمل الحطاب من دون نار؟”، فكان لا بدّ أن  يتوقف في الفصل الأخير عند عدد من النصوص الروائية العربية التي انتهجت أسلوب السرد المفتون بذاته كنمط في الكتابة الإبداعية، ومن هذه النصوص التي توقف عندها رواية لطفية الدليمي “عالم النساء الوحيدات”.

يشير الناقد إلى التناص بين العنوان المركزي للرواية وعنوان المخطوط الذي تجده الراوية  الأنثى فيشكل رواية داخل الرواية، ويتوزع السرد بين ما تقرأ منى في المخطوط وبين ما ترويه عن حياتها الخاصة، في تجربة سردية يحضر فيها الطابع الأنثوي مقابل غياب الطابع النسائي.

15