السرد متاهة لا يمكن الخروج منها إلا بالنقد

إن عوالم الحكايات والسرد الأدبي أشبه بالمتاهات المتداخلة، ولا تروم هذه المتاهات إرباك القارئ بل هي شبكات تسعى لخلق المتعة له فيما يتجول بين أزقتها المنحوتة باللغة. ولعل دليل القارئ في جولته داخل المتاهة هو النصوص النقدية التي تضيء على الإبداع وتكشف تفاصيله ومنعرجاته ترسيخا لمتعة القراءة.
السبت 2018/02/03
الكتابة متاهة ممتعة (لوحة للفنان علي رضا درويش)

القاهرة - “متاهات السرد” عنوان غريب اختاره الناقد شوقي بدر يوسف لأحدث كتبه، حيث يؤكد في مقدمة الكتاب على وصفه للسرد بالمتاهة التي تتسع لتشمل جميع الخطابات: أدبية أو غير أدبية، ويراه طريقة لاستدعاء الماضي عبر الحكي والقص، فالفن القصصي صورة من صور السرد المتجدد للأحداث التخييلية.

متاهات روائية

ضم الجزء الأول من الكتاب، الصادر عن وكالة الصحافة العربية – ناشرون، خمس دراسات أولاها عن رواية “أفراح القبة” لنجيب محفوظ، باعتبارها نموذجا للرواية الصوتية؛ فليست هناك شخصية محورية بعينها تستأثر بمجريات الحدث، إنما هناك عدة شخصيات لكل منها خصوصيتها، الشخصيات في “أفراح القبة” تعمل في مجال المسرح، وجميعها لها همومها الخاصة النابعة من تواجدها في هذا الجو الذي صوره الكاتب وكأنه ماخور، من خلال شخصيات متدنية هامشية من قاع المجتمع، وشخصيات أخرى بورجوازية قفزت اجتماعيا لتستأثر بالتسلط والتحكم جسديا ونفسيا في كل مَن حولها مِن شخصيات.

الدراسات التالية عن الرواية استأثرت بها الإسكندرية -موطن الكاتب- في أولاها تناول رواية “الأزمنة” لسعيد سالم، وصنفها ضمن نمط الرواية التي تجتر أزمتها وأزمنتها في عقل الراوي لتعيد صياغة الواقع، منشدا العدالة الغائبة، وفي “العطارين” لمحمد عبدالله عيسى، وهو مكان سكندري ذو خصوصية متفردة، فسكانه خليط من السكندريين والمصريين الوافدين على المدينة والشوام والأجانب.

تقوم الرواية على تجسيد الصراع بين مكونات الخليط في زمن الحرب، والدراسة الأخيرة عن الرواية جاءت بانورامية ترصد “الإسكندرية في الرواية المعاصرة”، وقد حظيت الإسكندرية الزمان والمكان باهتمام الرواية العالمية والعربية حتى أصبحت من العلامات الخاصة في هذا المجال الإبداعي، كما في روايتي نجيب محفوظ “ميرامار” و”السمان والخريف” بمحتواهما السياسي والاجتماعي واللتين تبدو فيهما الإسكندرية بظلالها الخاصة وكأنها تتحكم في مصائر من يعيشون فيها وتوجههم كيفما تشاء.

وكتب عبدالفتاح رزق روايته “الإسكندرية 47” التي تحكي عن بعض الأحداث الاجتماعية لمرحلة آخر أربعينات القرن الماضي في الإسكندرية، وصراع الطبقات في هذه الفترة، والسلم الاجتماعي المتباين في أحد أحياء الإسكندرية العريقة وهو حي محرم بك، من خلال طبقتين متناقضتين تعيشان معاً في قصر واحد، وهما نموذجان حقيقيان لواجهة أخرى من واجهات الإسكندرية إذ تمثلان الطبقة الأرستقراطية والطبقة الشعبية اللتين تحتويهما الإسكندرية معاً.

إضافة إلى الرواية تمثل القصة القصيرة وجها آخر للمتاهة السردية التي قدمها الكاتب في دراساته التطبيقية

وكتب محمود عوض عبدالعال عن امتزاج البيئة الشعبية السكندرية في حي أبي قير بالبيئة الشعبية اليونانية المرتبطة بالتراث اليوناني متمثلة في مسيو “نانا” الباحث عن مقبرة الإسكندر الأكبر في رواية “سكر مر”، كما عبر أيضاً عن البيئة الشعبية المخيفة الخاصة بحي باكوس في رواية “عين سمكة” من خلال فاطمة السودا القوادة التي تسكن سور كنيسة باكوس، والإحباط الذي صاحب المثقفين المحبطين بعد نكسة 1967.

وتعتبر روايتا إدوار الخراط “يا بنات إسكندرية”، و”ترابها زعفران” من أعمال السيرة الذاتية التي تعتمد على أماكن سكندرية حقيقية خبرها الكاتب وعبر عنها من خلال الخيال وصنعة الفن حتى أنه أطلق على كتابه “ترابها زعفران” عبارة “نصوص سكندرية”. وفي روايات إبراهيم عبدالمجيد تبرز الإسكندرية من خلال مراحل التغيير التي طرأت على المجتمع في مصر خاصة المرحلة التي أعقبت نكسة يونيو 1967 وكذا من خلال التلاحم بين الزمان والمكان وما يدور في المدينة من ممارسات، وما تتسم به شخصيتها من تميز خاص في ملامح التغيير. أما مصطفي نصر فهو الروائي الوحيد الذي اتخذ من الإسكندرية مسرحا لكل أعماله معبرا فيها عن عالمها السري وعن شخصياتها المأزومة التي صورها من قاع المجتمع السكندري، ومن أمثلتها “الصعود فوق جدار أملس” و”الشركاء” و”جبل ناعسة” و”الجهيني” و”الهماميل”.

وجه آخر للمتاهة

تمثل القصة القصيرة وجها آخر للمتاهة السردية التي قدمها الكاتب في دراساته التطبيقية، وكما بدأ القسم الأول بدراسة عن نجيب محفوظ انطلق بعدها في تناول روايات سكندرية، بدأ القسم الثاني بدراسة عن “محمود البدوي” أردفها بدراسات تناولت كتاب قصة سكندريين.

كتاب نقدي عن متعة السرد الروائي والقصصي

يرى شوقي بدر أن محمود البدوي هو “نبض القصة القصيرة”، ويخصه بدراسة تركز على رافدي القصة عنده: الواقعي والرومانسي. كما يتأمل فنه من حيث العلاقات التي تنشأ بين الشخصيات، ومن زاوية الدوافع الخفية والسلوك الإنساني للشخصيات التي يضع يده عليها، موضحا أنه أعاد اكتشاف البيئة المصرية في قصصه، خاصة عالم الريف.

ثم يتناول مجموعة “علامة الرضا” لمحمود عوض الذي استخدم أسلوب تيار الوعي بتقنياته السيكولوجية، ولغته التشكيلية المراد بها الإيهام والإيحاء وليس المحاكاة والتسجيل، سواء في روايتيه “سكر مر”، و”عين سمكة” أو في قصصه القصيرة، مما ميزه وسط أدباء جيله. ومن الشكل في “علامة الرضا” إلى المضمون في قصص مجموعة “حفل زفاف في وهج الشمس” لمصطفى نصر، حيث المسكوت عنه هو نفسه ما تمارسه شخصيات قصص المجموعة من قهر وعهر وقسوة.

وعن البناء الفني في مجموعة “عويل البحر” يرى أن القصة عند سعيد بكر تتميز بالصياغة التجريبية المحملة على الواقع من خلال التعامل الحذر مع لغة تهدف أولًا وأخيرًا إلى تشكيل اللحظة القصصية الحكائية المؤثرة، وإقامة بناء فني مليء بالدلالات والمعاني المستمدة من محور هذا الواقع. وذلك من خلال رؤية واعية استخدمها في التنقل بين هموم المجتمع وطموحاته، وجعلها محور اهتمامه وأحد مكونات عالمه الإبداعي.

اختتم شوقي بدر يوسف كتابه بحوار حول أدب الخيال العلمي، سبق أن أجراه مع الراحل نهاد شريف، ومثل الحوار نتوءا لا لزوم له في جسد “متاهات السرد” فلا هو دراسة، ولا محوره ذو صلة بما حدده الكاتب في مقدمة الكتاب من مفاهيم نظرية للسرد ودور الناقد. أما دراسته الطويلة عن “الإسكندرية في الرواية المعاصرة” فقد كانت بحاجة إلى المراجعة؛ فبين تاريخ كتابتها وتاريخ نشر الكتاب عقود شهدت صدور العشرات من الروايات المهمة عن الإسكندرية منها روايات الراحل سعيد بكر، وأغلب أعمال محمد جبريل خاصة “رباعية بحري” التي لم تشر إليها الدراسة.

14