السرقات العلمية تنسف قيمة الجامعة في الجزائر

يفضح تواتر السرقات العلمية في رسائل ختم الدروس والبحوث المعدة للنشر في الجامعات الجزائرية ضعف مستوى مرتكبيها وغياب القوانين الرادعة للحد منها. وتتباين الآراء بين من يعتبر حجم هذه السرقات كبيرا ومسيئا لسمعة التعليم العالي في الجزائر، وبين من يراها حوادث معزولة لا ترتقي إلى درجة الظاهرة.
الثلاثاء 2017/03/07
تركيز على الشهادات لا على بناء الفكر

الجزائر - رغم تضارب أطروحات الفاعلين في التعليم العالي بالجزائر، بشأن شيوع ظاهرة السرقات العلمية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن إجماعا يسود البلاد، على الاعتراف بالظاهرة ولو بدرجات متفاوتة؛ بين من يقلل من حدة تغلغلها في أوساط الطلبة والأساتذة والكوادر الجامعية، وبين مطلق لأجراس الإنذار، حول مخاطر الظاهرة التي تهدد سمعة وصورة الشهادة الجامعية.

واعتبر رئيس لجنة التربية والتكوين والتعليم العالي في المجلس الولائي بالعاصمة محمد ملهاق، في اتصال لـ“العرب” أن إثارة مسألة السرقات العلمية في شهادات التخرج الجامعي، لا تستوجب التهويل الذي يحيط بها، فهي رغم اتخاذها لشكل الظاهرة، فإنها تبقى ممارسات معزولة ستجد الحل في المرسوم الوزاري الذي أطلقته وزارة التعليم العالي العام الماضي للحد من تغلغلها.

وأضاف “إذا كانت المسألة استفادت في السابق من فراغ قانوني وتشريعي، وتغذت بعوامل قيمية أخرى، فإن المرسوم الوزاري سيسد الفراغ الحاصل، ولو أن القضية تتعلق دائما بالوازع الأخلاقي والضمير الشخصي، لأن السرقة والتطفل في هذا المجال، قد يفيدان المعني آنيا، لكنهما يضران المنظومة الجامعية برمتها والمجتمع معا”.

وبشأن الأرقام التي كان قد كشف عنها أستاذ الاقتصاد في جامعة البليدة فارس مسدور، حول بلوغ سقف السرقات العلمية في شهادات الليسانس نسبة الـ60 بالمئة، و20 بالمئة في الماجيستير و10 بالمئة في شهادة الدكتوراه، أبدى المتحدث تحفظه عن الأرقام بالنظر إلى ما أسماه “طبيعة المصادر والمراجع المعتمدة في هكذا إحصائيات”.

الطالب يهتم بالشهادة أكثر من الرصيد، والأستاذ بالمردود المادي قبل الرسالة، والجامعة تهمها الأرقام والإحصائيات

وكانت وزارة التعليم العالي قد أصدرت مرسوما العام 2016، من أجل الحد من ظاهرة السرقات العلمية، بعدما امتدت العدوى إلى مختلف جامعات البلاد، ومست الطلبة والأساتذة والكوادر الجامعية، مما ساهم في تشويه صورة الجامعة الجزائرية، التي شهد لها في سنوات سابقة، بتغذية كبرى الجامعات والمعاهد الغربية بطلبة وإطارات أثبتوا كفاءات وجدارة عالية في مختلف الاختصاصات.

وحدد المرسوم الوزاري الصادر في يوليو 2016 القواعد المتعلقة بالوقاية من السرقات العلمية ومكافحتها، وتضمن بالتفصيل مفهوم السرقة العلمية، ومختلف الميادين المحيطة بها كظاهرة تنخر الجامعة الجزائرية منذ سنوات.

ووصف السرقة العلمية، بكونها “كل عمل يقوم به الطالب أو الأستاذ الباحث أو الأستاذ الباحث الاستشفائي الجامعي أو الباحث الدائم أو كل من يشارك في عمل ثابت للانتحال وتزوير النتائج أو غش في الأعمال العلمية المطالب بها، أو في أي منشورات علمية أو بيداغوجية أخرى، وهي كل اقتباس كلي أو جزئي لأفكار أو معلومات أو نص أو فقرة أو مقطع من مقال منشور، أو من كتب أو مجلات أو دراسات أو تقارير أو من مواقع إلكترونية، أو إعادة صياغتها دون ذكر مصدرها وأصحابها الأصليين”.

ويقول المرسوم إنه “يعتبر سرقة علمية، كل استعمال لإنتاج فني أو إدراج خرائط أو صور أو منحنيات بيانية أو جداول إحصائية أو مخططات في نص أو مقال دون الإشارة إلى مصدرها وأصحابها الأصليين، وهو الشأن بالنسبة إلى الترجمة من إحدى اللغات إلى اللغة التي يستعملها الطالب أو الأستاذ الباحث أو الأستاذ الباحث الاستشفائي الجامعي أو الباحث الدائم بصفة كلية أو جزئية دون ذكر المترجم والمصدر”.

ويضيف المرسوم “قيام الأساتذة بتكليف الطلبة أو أطراف أخرى بإنجاز أعمال علمية من أجل تبنيها في مشروع بحث أو إنجاز كتاب علمي أو مطبوعة بيداغوجية أو تقرير علمي واستعمال هؤلاء الأساتذة أو أي شخص آخر أعمال الطلبة ومذكراتهم كمداخلات في الملتقيات الوطنية والدولية أو لنشر مقالات علمية بالمجلات والدوريات، إلى جانب إدراج أسماء خبراء ومحكمين كأعضاء في اللجان العلمية للملتقيات الوطنية أو الدولية في المجلات والدوريات من أجل كسب المصداقية دون علم وموافقة وتعهد كتابي من قبل أصحابها أو دون مشاركتهم الفعلية في أعمالها”.

الطالب صار يهتم بالشهادة كشعار أكثر من الرصيد، والأستاذ بالمردود المادي قبل الرسالة المقدسة، والجامعة تهمها الأرقام والإحصائيات أكثر مما يهمها المنتوج الفكري

وكان فارس مسدور، قد تحدث عما أسماه بـ“الاختلال الكبير الذي يحيط بالجامعة الجزائرية، نتيجة شيوع ظاهرة السرقات العلمية لدى الطلبة والأستاذة، وأشار إلى كوادر جامعية حازت على شهادات عليا بالسرقات العلمية، من أجل امتيازات وأموال ومهام على حساب النزاهة والشرف الجامعي”.

وأكد أن وقوف وزارة التعليم العالي في وجه هذا الانزلاق، سيكشف “الكثير من الحقائق المرة، عن دكاترة وبروفيسورات يشغلون مناصب عليا ويحوزون امتيازات كبيرة، في حين لا يحملون من الشهادة إلا الاسم، وهو ما أضر بسمعة وشرف الجامعة الجزائرية وبالشهادات التي تمنحها، وجعلها في حضيض مختلف التصنيفات العالمية”.

ومع الانتشار اللافت لظاهرة “نسخ لصق”، المنتهجة من طرف الكثير من طلبة الجامعات خلال إعداد شهادات التخرج، ما جعل المذكرة الواحدة تتكرر عدة مرات حرفيا، في ظل غياب آليات الرقابة والنزاهة، هوّن وزير التعليم العالي طاهر حجار في تصريح سابق من الظاهرة، ومن تأثيرها على مستوى الأداء والتحصيل العلمي بشكل عام.

وقال “إن السرقات العلمية تبقى محدودة وقليلة في الجامعات الجزائرية مقارنة بما تشهده جامعات بعض الدول، وإن القطاع يبذل جهودا للقضاء عليها من خلال تكريس إجراءات وقائية وأخرى ردعية من بينها إلزام أصحاب البحوث العلمية بما فيها رسائل الإجازة بإيداعها قبل وبعد مناقشة الأطروحة، إضافة إلى فتح موقع إلكتروني من أجل التعريف بهذه الأبحاث العلمية”.

وأرجع الأكاديمي والناشط المدني محمد ملهاق، في تصريحه لـ“العرب”، أسباب انتشار عدوى السرقات العلمية وتدهور المستوى بشكل عام في الجامعة الجزائرية، إلى غياب الرقابة والمتابعة وتراجع الوازع الأخلاقي والروحي، واستقالة المجتمع من المنظومة الجامعية، ما أدى إلى بروز اختلال كبير في سلم القيم، أفضى إلى الارتباك الحاصل في مختلف القطاعات.

وقال ملهاق “الطالب صار يهتم بالشهادة كشعار أكثر من الرصيد، والأستاذ بالمردود المادي قبل الرسالة المقدسة، والجامعة تهمها الأرقام والإحصائيات أكثر مما يهمها المنتوج الفكري، والشارع يقدر الثروة أكثر من المحصول العلمي، وهي معادلة تفضي بالضرورة إلى هكذا ظواهر سلبية”.

17