السرياليون وسرديات الأحلام

يرى السرياليون أن الحلم يمكن أن يقرّب صورة للمستقبل رسما وكتابة لذلك فإن أحلام السرياليين أعطت تجربة الحلم وشهادته دورا رئيسيا في الحياة.
الخميس 2018/12/06
ما بعد الواقع، فوق الواقع، واقع اللاوعي، واقع اللاشعور (لوحة: عزة الشريف)

كتاب جديد لم يُؤَلَّف سابقا من قبل السرياليين الفرنسيين، بل تناثرت مقالاته في أعداد مجلة “الثورة السريالية” المعروفة التي صدرت بين الأعوام 1924 - 1929، لكنّ المترجم كامل عويد العامري انتزعه من أعداد تلك المجلة القديمة، وهي اثنا عشر عددا فقط و”ألّفه” بعنوان “أحلام السرياليين” وهو عنوان مناسب لتلك الأحلام الكبيرة التي تنازعت عتاة السورياليين الأفذاذ كسلفادور دالي وبول أيلوار وجورجيو دو شيريكو ورنيه غوتييه وميشيل ليريس وجاك أندريه بوافا ولوي أراغون.

المؤَلَّف جديد في شكله العربي الأول وجديد أيضا لو تُرجم إلى لغات أخرى في تنظيمه الفني واعتمد فيها على مواكبة “الحلم” الذي انطوت تحته جملة من أفكار جديدة تعتمد على التلقائية والأحلام والمصادفة الموضوعية والخيالات والثورة بمفهومها التغييري المجتمعي بما فيه الثورة اللغوية السائدة والغموض اللامتناهي والتفسير الحلمي بناء على نظريات فرويد الطبية والنفسية، لا سيما وأن منظّر السريالية أندريه بريتون قد درس الطب النفسي وتعمق فيه وطبّق مفهومات التحليل النفسي الفرويدية على الجنود الذين كانوا يعانون من صدمة الحرب.

ما بعد الواقع، فوق الواقع، واقع اللاوعي، واقع اللاشعور، الحلم، الصدمة، لا رقابة للعقل، الغموض الفني، المضمون غير الظاهر كليا.. أوصاف وأسماء وتعبيرات نقدية واشتقاقات فنية وأدبية كثيرة، بعضها خارجي والآخر داخلي من صميم التجربة التي اجترحتها السريالية وهي تشق طريقها بدأب كمذهب فني وأدبي جديد في فرنسا عقب الحرب العالمية الأولى بمنظّرها أندريه بريتون الذي واكب مع جماعته من الأدباء والفنانين في إطلاق هذه الحركة، بعدما خرجوا عن إطار الحركة الدادائية، وعملوا على تطويرها في الفنون البصرية والأدبية على حد سواء بعمود فقري قوامه “الحلم” تعبيرا عن تحرير طاقة المكبوت في النفس البشرية.

وبعيدا عن آليات مسبقة في الشكل واللغة والمضمون، كما كان دارجا وتحرير الكتابة من كل أشكال الضغط اللغوي والتوجه بها إلى حواضن حلمية أكثر جرأة في إيهام الواقع والتحايل عليه بصور جديدة في سرديات الحلم السريالي، في محاولة لبعثرة النص وجعله مفتوحا باعتبار أن “الحدود ملغاة بين النثر والشعر” كما جاء في البيان الثاني لأندريه بريتون.

كان مثل هذا الحلم وسيطا جديدا تتفرع منه أهداف عدة بتحرير المجتمع وتحرير اللغة السائدة وإضفاء الغموض على الأفكار لتحويل الواقع إلى حلم وتخيل في محاولة إنشاء ثورة في التجربة الإنسانية في كافة جوانبها الشّخصية والثّقافية والاجتماعية والسّياسية، وتحرير الإنسان من العقلانية الزّائفة والعادات والبنى المَقيدة وما إلى ذلك من مفاهيم جديدة، جاءت بها الحركة الصاخبة التي امتدت إلى أكثر من عقدين ابتداء من عشرينات القرن الماضي وحتى أواخر أربعيناته؛ فشغلت العالم الأدبي والفني بنزوعاتها غير التقليدية لتفسير الواقع أو التعبير عنه بشكل تلقائي عن طريق الحلم بالتعبير عن العقل الباطن على أن يقوم الفن والأدب معا بتحرير هذا المكبوت وإطلاقه بشكل طبيعي من دون عوائق اجتماعية وغيرها، تتحكم به سرديات الأحلام وومضاتها الفنية القابلة لتشخيص الواقع بطريقتها المختلفة، وتخلق منه أفكارا أخرى ومضامين وعلاقات جديدة ترى السريالية أنها هي الأكثر تعبيرا عن ظروف الواقع ومتحولاته الكثيرة. وباعتبار أنّ الكتابة التّلقائية هي تقنية أفضل للتغير الاجتماعي وهي تقنية غير خاضعة للتقنيات الكلاسيكية التي سبقتها فنا وأدبا.

يرى السرياليون أن الحلم يمكن أن يقرّب صورة للمستقبل رسما وكتابة لذلك فإن أحلام السرياليين أعطت تجربة الحلم وشهادته دورا رئيسيا في الحياة.. ولكن لو عاش هؤلاء السرياليون في هذا العصر.. كيف سيفكرون وهم يرون الواقع اختلف وتغير وانقلب على رأسه؟

14
مقالات ذات صلة