السر يكمن في مولر

الأحد 2016/04/24

عندما تتحدث مع أيّ ألماني عاشق لكرة القدم ومتيّم بحبها وبحب منتخب “المانشافت”، أذكر له لقب مولر فحسب، ستجده مندفعا ومتحمسا للغاية لاستعراض إنجازات منتخب بلاده كلما كان يضم أحد اللاعبين الحاملين للقب مولر.

إنجازات رائعة تجعل كل ألماني يفخر بما حققه هذا المنتخب سواء في بطولات العالم أو أوروبا، بل الأكثر من ذلك أن الجميع في ألمانيا يستبشرون خيرا كلما ضم منتخب بلادهم في أحد البطولات الهامة لاعبا لديه “جينات” وعبقرية اللقب “مولر”.

هو هكذا ببساطة سحر اللقب الذي تحوّل في بعض الأوقات والتواريخ الخالدة في كرة القدم الألمانية من مجرد لقب إلى اسم مميز يطلق على بعض المواليد الجدد، والسبب في ذلك أنه ارتبط بلاعبين رائعين سجلوا أحرفهم بذهب خالص في دفاتر التتويجات الألمانية العالمية.

بداية الحكاية كانت أساسا في حقبة التسعينات، حيث شهدت بروز جيل جديد من اللاعبين الأفذاذ صلب منتخب ألمانيا، ألهمهم آنذاك “القيصر” فرانز بيكنباور، وقادهم نحو النصر المهاجم “الأعجوبة” غيرد مولر، فهذا الفتى الذي ولد في العام الذي هوى خلاله عرش زعيم ألمانيا النازية هتلر، أي سنة 1945، نهض من بين ركام النتائج المخيبة لمنتخب ألمانيا، وأبى إلاّ أن يساهم في إعادة ترتيب الكروة في بلاده ويعجّل بفضل أهدافه الغزيرة وغريزته التهديفية الفريدة في الوصول بمنتخب “المانشافت” إلى قمة العالم.

غيرد مولر كان ماكينة أهداف لا تكلّ أو تملّ، كان بمثابة “القنبلة التي تنفجر في وجه المنافسين”، فنجح في تسجيل أكبر عدد من الأهداف مع منتخب بلاده، حيث كان أول لاعب ألمانيا يسجل 68 هدفا في المباريات الدولية، كان أيضا أول لاعب يصل إلى حاجز 14 هدفا في كؤوس العالم، وحافظ على رقمه لفترة طويلة من الزمن، كان أيضا صاحب هدف الفوز والتتويج بلقب كأس العالم سنة 1974 ضد المنتخب الهولندي.

في تلك السنة أصبح كلّ من يحمل اللقب مولر في ألمانيا صاحب حظوة ومكانة خاصة، والفضل في ذلك يعود إلى المهاجم الألمعي غيرد مولر الذي أعطى لهذا اللقب سحرا مميزا في ألمانيا الحديثة.

توالت بعد ذلك السنون وبرز عدد كبير من اللاعبين الحاملين للقب مولر، وتألق كل منهم على طريقته سواء مع الأندية أو المنتخبات، قبل أن تحمل حقبة التسعينات معها الخبر التالي: “بزوغ نجم جديد يحمل لقب مولر، إنه أندرياس مولر أحد أعمدة منتخب ألمانيا الموحدة”، وكان من الطبيعي أن يستبشر الجميع بوجود أندرياس، رغم أن طريقة كتابة لقبه ونطقه باللغة الألمانية تختلف نسبيا عن كتابة لقب الهداف السابق غيرد مولر.

ومع ذلك، فحالة التفاؤل سادت، والكل في ألمانيا كان ينتظر لقبا دوليا سيأتي بوجود أندرياس، ليحصل الأمر سنة 1996 عندما توج منتخب “المانشافت” نفسه ملكا لأوروبا، بعد التتويج بلقب البطولة الأوروبية للأمم في نهائي تاريخي وشهير ضد منتخب تشيكيا.

وفي المقابل، وفي الحقبة التالية، تحديدا بعد بلوغ الألفية الثالثة، لم تقدم الفترة طويلة لاعبا فذا ومميزا يحمل هذا اللقب الاستثنائي والمميز دوما، انتظر الألمان طويلا، طال الانتظار إلى غاية سنة 2010 التي تنفس فرحا خلالها كل عاشقي المنتخب الألماني، بعد أن تم إدراج اسم الفتى اليانع توماس مولر لاعب بايرن ميونيخ ضمن الكتيبة المدعوة للمشاركة في مونديال جنوب أفريقيا.

ورغم أن هذا الشاب قليل الخبرة لم يقدر على قيادة منتخب بلاده نحو اللقب العالمي الغالي، إلاّ أنه ترك أفضل الانطباعات وسار بخطوات حثيثة خلف “إرث” سلفه غيرد مولر، لقد سجل عددا كبيرا من الأهداف في تلك البطولة وسجل اسمه ضمن أحد أبرز المواهب الكروية في الكرة العالمية.

مرت بعد ذلك أربع سنوات متسارعة تسابق الزمن، ليصل مولر “الزمن الحديث” إلى محطة مونديال البرازيل 2014 برصيد أكبر من الخبرة والتجربة والحنكة، تواصل بالتوازي مع ذلك استبشار الألمان وتفاؤلهم بقدرة منتخب بلادهم على كسب الرهان، فمادام مولر موجودا، فإن التتويج قادم.

السحر تواصل، واللقب مولر ألهم منتخب المانشافت بطريقة رائعة وفريدة، وتحقق الحلم الألماني من جديد عندما هزم هذا المنتخب الجميع ورفع اللقب العالمي عاليا، مع بروز مستمر واستثنائي لهذا الولد المتميز الذي بات يسمى “روح ألمانيا الحديثة” وملهم منتخب المانشافت المتوهج.

توماس مولر سليل العائلة العريقة ونجم بايرن ميونيخ وصاحب الستة والعشرين ربيعا، مازال بمقدوره كتابة تاريخ جديد لنفسه وللقب مولر، فالبطولة الأوروبية للأمم على مرمى حجر، ومنتخب بلاده يعتبر أقوى المرشحين لانتزاع اللقب من منتخب أسبانيا، مثلما فعل ذلك في المونديال.

أمام مولر فرصة أخرى لاسترداد أحقية التتويج بلقب الهداف التاريخي في كأس العالم من مواطنه ميروسلاف كلوزه صاحب الـ16 هدفا، إذ يكفي توماس المقبل على مشاركة أخرى في كأس العالم المقرر سنة 2018 بروسيا، تسجيل 6 أهداف أخرى حتى يعيد الأمور إلى نصابها ويثبت أن السر يكمن في اللقب مولر، جالب الحظ لألمانيا.

كاتب صحافي تونسي

23