"السطمبالي" في تونس يعزف لحن الحرية برنين الأغلال

عزفت ألحان موسيقى “السطمبالي” في تونس منذ المئات من السنين، حيث تعود جذورها إلى معاناة “الزنوج” من العبودية وتاريخ من النضال بالفن ضد ممارسات عنصرية في حق الأقليات.
الخميس 2016/12/29
مطالب بتنظيم أول مهرجان للسطمبالي في محافظة بنزرت التونسية العام المقبل

تونس - تسعى فرقة تونسية إلى إحياء موسيقى “السطنبالي”، بحفلات وإقامة مهرجان لها، في محاولة للتعريف بفن ارتبط بمعاناة ضحايا العبودية قبل المئات من السنين.

وخلال حفل موسيقي لفرقة “سيدي علي الأسمر”، وهي آخر فرق “السطمبالي” في تونس، بمنطقة باب الجديد، بقلب العاصمة، فرشت أرضية بلاط الزاوية بالزّرابي التقليدية المنقوشة، أو كما يسميها التونسيون بـ”المرقوم”، وازدانت الجدران بألحفة وأقمشة مختلفة ألوانها، تأهبا للغناء والعزف والرقص.

وانطلقت قرقعات “الشقاشق”، تلك الصفائح المعدنية، مصدرة أصواتا شبيهة بالأجراس، توحي للسامع بأنها سلاسل ممزقة وأغلال قد فتحت منادية لعالم الحرية، يصاحبها قرع الطبول لتكتمل الصورة برقصات السطمبالي ذات الخطوات المدروسة.

وترافق أعضاء الفرقة المكونة من 8 أفراد آلة “القمبري” الوترية والإيقاعية في الآن ذاته، وعادة ما يقوم بالعزف عليها قائد الفرقة الذي يسمى بـ”اليِنّا”، وهو من يرشد أعضاء فرقته إلى المقامات الصحيحة تجنبا لأي خروج عن ألحان السطمبالي.

ويقول رياض زاوش، رئيس “جمعية ثقافة فن السطمبالي تونس سيدي علي الأسمر” (42 عاما)، إن الفن الزنجي أقدم من المالوف التونسي (موسيقى ذات طابع أندلسي).

ويضيف أنه إبان العهد الملكي كانت توجد بتونس 6 منازل شهيرة بالتغني بهذا الفن؛ منها أربعة في تونس (العاصمة)، وهي: برنو، كوفة، جماعة، وزاوية سيدي علي الأسمر، وإثنان في مدينة صفاقس (جنوب).

القارة السمراء تمثل نقطة انطلاق الكثير من الألوان الموسيقية بينها “الريغي”، التي حطت رحالها بجزر الكاريبي، كما أبحرت موسيقى الجاز الأفريقية واضعة مرساتها على ضفاف نهر الميسيسيبي في الولايات المتحدة الأميركية

ورياض، الذي تربى في حي “باب الجديد” العتيق، وحفظ فيه أصول موسيقى السطمبالي ومقاماتها مذ كان عمره 11 عاما، لفت إلى أن الأغاني التي ينشدونها في فرقتهم تتغنى بالرسول الأكرم وبمدائح الذكر.

ويرى زاوش أن “فن السطمبالي لم يجد حظه في تونس، كباقي الفنون والأنماط الموسيقيّة، على عكس فن القناوة في المغرب والجزائر، والدّيوان في الجزائر، اللذين يقام لهما مهرجانان دوليان.

ويقول زاوش إن جمعيتهم حديثة العهد، حيث تأسست في 2016، وتسعى إلى تنظيم مهرجان خاص بفن السطمبالي في أغسطس القادم، بمدينة غار الملح، بمحافظة بنزرت، شمال العاصمة، لتميز هذه المنطقة بالحصون التاريخية والفضاءات المفتوحة على البحر، ما يخلق انسجاما مع ألحان هذا الفن.

وقال صالح الورغلي، عازف آلة القمبري، وهو قائد الفرقة وبلغة السطمبالي هو “اليِنّا” (في تونس) أو “المعلم” (كما هو الأمر في الجزائر والمغرب)، إن أغاني السطمبالي حافظت على اللهجة الأفريقية، أو كما تسمى لديهم بالهاوسا. ولفت إلى أنه رغم أن تلك الأغاني تقدم باللغة العربية، لكن قد لا تفهم عند الكثير من التونسيين، نتيجة اللهجة الأفريقية المستخدمة.

وطالب الورغلي بتدريس هذا الفن في المعهد العالي للموسيقى، حتى لا يضمحل وكي تتخرج ناشئة توصله إلى مختلف بلدان العالم.

وتمثل القارة السمراء نقطة انطلاق الكثير من الألوان الموسيقية بينها “الريغي”، التي حطت رحالها بجزر الكاريبي، كما أبحرت موسيقى الجاز الأفريقية واضعة مرساتها على ضفاف نهر الميسيسيبي في الولايات المتحدة الأميركية، وحلقت موسيقى البلوز، ذات الأصول الأفريقيّة، لتجد موطنا لها في القارة الأميركية، لكن موسيقى “السطمبالي” بقيت حبيسة تونس، ولم تحظ بفرصة الانطلاق خارج القارة السمراء.

وتنحدر موسيقى السطمبالي، التي تحاكي تاريخ زنوج تونس، من ثقافة أفريقية بالأساس، وتجد مرادفات لها في مختلف دول شمال أفريقيا، فنجد “القناوة” في الجزائر والمغرب، و”الدّيوان” في الجزائر، و”المكاري” في ليبيا، و”البوري” في موريتانيا.

ورغم أن هذا النوع من الموسيقى كان يقدم إبان حقبة العبودية في تونس، قبل إلغاء الرق في القرن التاسع عشر، لكنه ظل قائما حتى بعد تحرير العبيد.

يذكر أن تونس عرفت كمركز لتجارة الرقيق طوال قرون طويلة، قبل أن يتم تحرير “العبيد الأفارقة”، بموجب “قانون إلغاء الرق” الصادر في عهد حاكم تونس أحمد باي عام 1846.

24