السطمبالي موسيقى تونسية تروي رحلة الأفارقة الأليمة

لموسيقى الزنوج في العالم سيرة تكتب بنفس نغمات الألم، فمن البلوز التي أرّخت لمعاناة الأفريقي في العالم الجديد، توسعت خارطتها لتشمل الجاز بدلتا المسيسبي والريغي بجزر الكاريبي والتانغو في شوارع الأرجنتين، وصولا إلى القناوي في المغرب، فالديوان بالجزائر والسطمبالي في تونس.
الثلاثاء 2016/01/05
لا حاجة للنوتة مع كل هذا العمر

تونس- يعود تاريخ موسيقى السطمبالي في تونس إلى جذور أفريقية توثق لرحلة الألم والاستعباد التي شهدها الأفارقة والأحباش القادمون قسرا من جنوب شرق أفريقيا وبحيرة التشاد متوجهين إلى أسواق النخاسة في أوروبا وأميركا، حيث كان هؤلاء يطرقون سلاسل الحديد التي تكبل أرجلهم وأيديهم وسط إيقاع تصاحبه همهمات وأنات الألم والقهر.

ونسبت موسيقى السطمبالي خطأ إلى الباشا آغا السطمبولي الذي ينحدر من مدينة إسطنبول التركية، بينما يرى الباحثون في أصول الموسيقى أنها نوع من الموسيقى الإثنية ذات صبغة عقائدية تعود أصولها إلى القارة الأفريقية، وهي الموسيقى التي اختصت بها الأقليات السوداء في تونس وخاصة بالجنوب، وهي تقترب من موسيقى القناوي بالمغرب الأقصى وموسيقى الديوان بالجزائر، غير أنها لم تحض بأي اهتمام لا على مستوى الانتشار ولا على مستوى الدراسات والحفظ إلا بعض المحاولات في الفترة الأخيرة وخاصة بعد ثورة 2011.

ويقول عازف القمبري الحبيب الجويني، إن جدوده الأوائل قدموا كعبيد عبر الرحلات التي كانت تقوم بها قوافل الأوروبيين خلال القرن الثامن عشر وتم بيعهم كعبيد، لكنهم استقروا في تونس.

وتتميز هذه الموسيقى بتنوع آلاتها وإيقاعاتها، فهناك الشقاشق، وهي صفائح معدنية ذات جرس نحاسي تشير إلى صوت الأغلال وطرق الحديد الذي رافق رحلة العبيد الزنوج إلى شمال أفريقيا، والغمبري، وهو آلة وترية وإيقاعية ويعتبر تاج موسيقى السطمبالي الذي يُرشد السامعين إلى بوابات اللحن الأفريقي الشجي، أما الطبلة، فهي حاضرة بقوة لكي تشحن الأرواح الراقصة في تحرر من الوعي بثقل العالم وفوضاه.

وتقدم أناشيد السطمبالي بلهجة غريبة عن العربية تسمى بالعجمي، وهي لا تعني الانتساب إلى العجم بل تشير إلى قوى حاضرة في المكون الروحي لعالم السطمبالي.

وللسطمبالي أيضا وظيفة روحية تظهر من خلال حالات “التخميرة”، وهي انتشاء روحاني بالموسيقى نتيجة الجذب الذي تمارسه آلات الغمبري والشقاشق والطبلة والرقص المرافق.

لم يعرف عن الأتراك القفز في الهواء بملابس أفريقية!

ولا تغيب عن جوقات السطمبالي الراقصة أو ما يسمونها بـ”العريفة”، وهي امرأة تقوم بالرقص فترى الجسد ينحني إلى الأسفل ثم يهتزّ إلى الفوق متناسقا مع الإيقاع، وكأن في ذلك علاجا للأمراض النفسية وطردا للأرواح الشريرة، حيث ترتبط تلك الحركات روحانيا بـ”العريفة”. وفي كتابه حول السطمبالي، يشير المستشرق ريتشارد ينكوفسكي إلى أن هذه الموسيقى لا تقدم وصفة سحرية للشفاء الكلي، بل إنها تفتح مساحة تفاعل بين الإنسان والأرواح التي تسكنه عبر وساطة إيقاعية.

وقد تأقلم هذا النمط الموسيقي الروحاني مع محيطه الجديد خاصة في حضرة الأولياء الصالحين الموجودين بغزارة في تونس، وبالأخص في الجنوب، ثم تم تطعيمه بالفن الصوفي (السلامية والمدائح والأذكار) فنتج عنه مولود جديد جامع للاثنين وهو السطمبالي.

جدير بالذكر أن ثقافة الأرواح في موسيقى السطمبالي مختلفة تماما عن ثقافة الجن في الموروث الإسلامي. فالجن سليل تفكير شرقي، فيما الأرواح التي هي محور الجلسات العلاجية في السطمبالي تنحدر من ثقافة أفريقية.

واشتهرت في تونس رقصة البوسعدية مع ما يعرف بـ”عبيد غبنتن”، وهي مجموعات صوفية في الأصل تغني لطرق صوفية متعددة في تونس. وتقول الأسطورة إن بوسعدية ترك مجتمعه السوداني ورحل إلى تونس بحثا عن ابنته التي أُخذت منه أثناء هجمات استعبادية فتاه يبحث عنها. واختار في لباسه جلود الحيوانات، لأنه مثلها فقد المأوى والملجأ الإنساني، وهكذا تراه يتجول كما تتجول الحيوانات في البراري دون عنوان أو اسم أو وطن حنون.

بوسعدية اختار وضع قناع مخيف لأنه فقد كل المشاعر التي تحيي ملامحه، فخلا وجهه من كل شيء إلا من قناع يمثل الخوف الذي يتملكه، فتحولت رقصته من ألم على ماضيه إلى رقصة ساخرة من الخضوع والإقصاء والعبودية. ورقصة بوسعدية وألحانه ليست ضجيجا لكسب المال أو الترفيه عن الناس، بل إنها استدعاء لكل ما فقده من حرية وتذكير بما حدث قبل الفقدان، فبوسعدية يروّح عن نفسه من خلال طبله، لأن الموسيقى كانت في نظامه المسلوب وسيلة لشفاء المكروبين.

ويقول بلحسن ميهوب، وهو عازف على آلة القمبري، إنه يحاول الحفاظ على إيقاع السطمبالي المتجذر في هويتنا التونسية-الأفريقية رغم انعدام الدعم وتجاهل هذا النمط الموسيقي المتأصل فينا.

20