السعادة شأن شخصي

السعادة في العالم العربي مرتبطة بمقاييس البيئة الاجتماعيّة، حيث تحضر مقوّمات إرضاء "الأصول"، الأم والأب وحسن تربية الفروع من الأبناء والعشرة الطيبة بين الأزواج.
الأربعاء 2018/03/21
سعادتي تسكن معي في البيت

"سعداء بما نحن فيه وأسعد منّا بياض الورق"، بهذه العبارة القصيرة والمكثفة لخّص الشاعر التونسي الراحل الصغير أولاد أحمد مفهوم السعادة ومنطلقاتها في بيئتها التونسية الخاصة والعربية العامّة.

وهو بهذا يتقاطع مع مبحث السعادة ضمن مقولات التفلسف الذاتي التي تجعل من الذات مكمن الخلاص ومنطلق الانعتاق.

هنا بالإمكان التطرّق إلى الكوجيتو الديكارتي المعبّر عنه بالقولة الشهيرة “أنا أفكر فأنا موجود” بما تحمله من عودة إلى الذات وتمركز حولها لتمكّن صاحبها من مفاتيح الارتياح والسعادة الذاتيّة…

وتقريبا في هذا المبحث الفلسفي يكاد يكون “العقل” والتعقّل” الخيطين الناظمين في المدونة الفلسفية الكلاسيكية لمقاربات السعادة الذاتية بما هي سعادة “التأمل والفضيلة والحكمة” وفق تعريفات الفيلسوف أرسطو في كتابه “الأخلاق”، وهو –أي أرسطو- لا يختلف كثيرا عن تعريف موسوعة “لا لاند” الفلسفية التي اعتبرت أنّ السعادة حالة من الرضاء التام تستأثر بمجامع الوعي، وإرضاء لكل الميول وإشباعها سواء بالتوسع أي الكثرة أو بالأمد أي الديمومة، وبهذا المعنى تكون السعادة دالة على الانشراح والسرور والفرح وكل إشباعات الإحساس.

على هذا الأساس، يكون تعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة السعادة بأنها “سياسات عامّة لسلطة رسمية” مجانبا للكثير من الصواب، لا فقط لأنّ الدولة مهامها إدارة الشأن العامّ وحيازة العنف الشرعيّ وضمان مختلف أنواع السيادات وتأمين مفهوم “المواطنة” بحقوقها وواجباتها، بل أيضا لأنّ مبدأ “السعادة” متقرّر في الجوانب الذاتية للإنسان ويدور حول محدّدات الشخص والفرد، حول مفهومه للسعادة وضوابطه للرضاء والارتياح.

وعلى هذا الأساس أيضا، يكون ترتيب الأمم المتحدة للدول السعيدة في العالم – وهو ترتيب سنويّ- قائم على فكرة قدرة الفاعل الرسمي على الترفيه وعلى صناعة الراحة المجتمعية عبر مجموعة من المؤشرات وهي “دخل الفرد، الحرية، الثقة، ومتوسط العمر المتوقع، والدعم الاجتماعي، والكرم.”

المنظومة القيمية تتدخل بقوة ضمن التمثل الشخصي والجمعي أيضا لقيمة الرضاء والسعادة، فيكون القبول بالحالة المعيشة جزءا من التسليم بالقضاء والقدر

وهي كلّها عوامل ترفيه وراحة وسبل رفاهية تبحث عن الأبهّة والفخامة الاجتماعيّة دون تحرّ عن مقوّمات الرضاء والارتياح والانشراح والطمأنينة التي تسري في نفوس الكثيرين من أبناء الوطن العربي على الرغم من الكوارث المحيطة بهم وجغرافيا الدماء من البحر إلى البحر. ولو كانت السعادة وفق منطوق الأمم المتحدة تعني الراحة والسكينة لما ارتفعت في ذات الدول “السعيدة” معدلات الانتحار والجريمة المنظمة والعنف الأسريّ، ولو كانت التعاسة وفق المنطق الأممي تعني فقدان الأمل لما بقي الملايين من أبناء العالم العربي منغرسين في أوطانهم رغم البطالة والفقر والفاقة، ينشدون “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

المفارقة أنّ غالبية من يطرقون أبواب الهجرة إلى الخارج يدقون أبواب أوروبا مؤقتا للعودة إلى بلدانهم والاستقرار فيها بعد تأمين مقومات العيش الكريم، معظم المهاجرين على قوارب الموت يضعون حياتهم فوق “أكفة العفاريت” لا لنيل الجنسية الأجنبية والتوطين في القارة العجوز بل بقدر ما يتأهبون لرحلة العودة إلى الوطن وبناء مستقبلهم في بلادهم، وهو ديدن العديد منهم وليس كلهم..

السعادة في العالم العربي مرتبطة بمقاييس البيئة الاجتماعيّة، حيث تحضر مقوّمات إرضاء “الأصول”، الأم والأب وحسن تربية الفروع من الأبناء والعشرة الطيبة بين الأزواج… بعبارة أدقّ السعادة هنا متعلقة بـ”الوظائفية المجتمعية” ضمن الدائرة الصغيرة ألا وهي العائلة، حيث يؤدي الأب والأمّ دور القاطرة للأبناء نحو المستقبل والضمان للآباء من المستقبل..

السعادة عربيا متلازمة، بمقولة أبوحامد الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين”، “آمنت بنور بعثه الله في قلبي”، وعبارات المتصوفة “جنتي في قلبي” وعناوين الرضا والتبتل لدى رابعة العدوية وابن الفارض وابن العربي في العشق الإلهي.. “أحبك حبين حب الهوى وحبّ لأنّك أهل لذاك”…

هنا تتدخّل المنظومة القيمية الدينية بقوّة ضمن التمثّل الشخصي والجمعي أيضا لقيمة الرضاء والسعادة، فيكون القبول بالحالة المعيشية جزءا من التسليم بالقضاء والقدر وجزءا أيضا من المفاضلة الإلهية بين البشر.

وهنا أيضا تؤثّر المنظومة القيمية الدينية بقوّة في تمثّل الحياة الدنيا كمرحلة مؤقتة للخلاص وللرحيل نحو جنّات الخلود والحياة الأبديّة، هكذا تصبح السعادة المصغّرة والمؤقتة قاطرة نحو السعادة المطلقة..

لا يمكن الحديث مطلقا عن سعادة عامّة تنسحب على كافة المجتمعات والسياقات، فلكل فضاء بيئته ولكل مجال مفهومه للسعادة، والأهم من ذلك لكل إطار المنطلقات التي من خلالها يحدّد مبدأ السعادة ويسعى إليها…

12