السعادة على مقاس شخص واحد

قد يعد البعض انتقال الشاعر إلى كتابة السرد أو أي جنس آخر من الأجناس الأدبية أمرا بالغ السهولة نظرا إلى ما للشاعر من إمكانات لغوية وأدوات تخييل تمكنه من ولوج أي فضاء كتابي آخر كالسرد مثلا، لكن الأمر ليس بتلك البساطة حيث تبقى لكل جنس أدبي شروطه الدنيا التي يجب أن ينضبط لها الكاتب. “العرب” التقت الشاعر الفلسطيني مازن معروف بمناسبة صدور مجموعته القصصية الأولى حول قضايا القصة والشعر.
الجمعة 2016/08/05
الأدب ينتمي إلى عالم شبحي

في مجموعته القصصية الأولى الصادرة عن “دار الريّس” لندن، والتي جاءت بعد ثلاث مجموعات شعرية، يضعنا القاص والشاعر الفلسطيني الشاب مازن معروف، أمام شخصيات مأزومة طالعة من تحت ركام حروب بيروت الطويلة، وأماكن عابقة بروائح الدم والجثث والموت، لكن بلغة ساخرة، رشيقة، جزلة، مكثفة، وأسلوب سردي مراوغ، يمرّر الدعابة في تعبيره عن الفاجعة.

الأربع عشرة قصّة التي تضمّها مجموعة مازن معروف (مواليد بيروت 1978 ويحمل الجنسية الآيسلندية)، هي مختارات من بين خمسين قصّة قصيرة كتبها معروف وهو في آيسلندا، ليقدم لنا “نُكات للمسلَّحين”، القصة التي أهدت عنوانها إلى المجموعة كاملة، التي تكونت من مجموعة قصص منفصلة، تتوالد الواحدة من بطن الأخرى، حتى يظنها القارئ وكأنها قصة واحدة.

الأدب الشبحي

ينتمي مازن معروف إلى عائلة فلسطينية من لاجئي 1948. عائلة اختبرتْ عبر جيلين (الأجداد/ الوالدان) سلسلة من “الهجرات” داخل لبنان، كان أكثرها فجاجة ما شهدتْه في مخيم تل الزعتر في بدايات حصار المخيم ومن ثم اضطرارها إلى الهرب. وربما أثر هذا في مجموعته القصصية “نُكات للمسلَّحين” التي تدور أحداثها خلال الحرب، وهي الأولى له بعد ثلاث مجموعات شعرية هي “ملاك على حبل غسيل”، “الكاميرا لا تلتقط العصافير” و”كأن حزننا خبز”.

وبسؤاله عن الشواغل التي اشتغل عليها في قصص هذه المجموعة، يقول ضيفنا “أنا أنتمي إلى جيل ولد في بيروت بين زمن ما سمي بالحرب الأهلية وزمن الاجتياح الإسرائيلي، أي في زاوية ضيقة جدا وحساسة جدا من التاريخ الفلسطيني – اللبناني. وقد ألزمتنا حروب بيروت – وكنا لا نزال أطفالا في تلك المرحلة – بانطباعات مرعبة ومدهشة لم يكن ممكنا العيش خارج نطاقها وسلطتها على أجسادنا وأذهاننا وخيالنا. وبهذا فإن تلك الأحداث، وفي موازاة حدوثها، فإنها كانت تعيد تشكيل قالب مخيلتي وآلية عملها كذلك. أرتد أثناء الكتابة إلى تلك المرحلة البعيدة ومن هناك أعيد صياغتها كما لو أنني أقول لكل واحد منها “من الجيد رؤيتك بعد كل تلك الأعوام”.

الكاتب الآتي من الشعر متمرس على المخيلة لكن كتابة السرد عموما مفيدة للتخفيف من غلو الأنا عند الشاعر

يلاحظ القارئ لمجموعة “نكات المسلحين” أنّ الحرب لا تأخذ معنى ميلودراميا أو تراجيديا فيها، حيث يلجأ القاص هنا إلى الطرافة كحلّ فني، وإنساني، ويوضح معروف “قصص المجموعة آتية من انطباعات بعيدة ومشوَّشَة. انطباعات كان عليّ أن أعيد شحنها. الذاكرة جثة. وعندما نجدلُها بالراهن، بمعنى عندما تقوم إشارة ما في هذا ‘الراهن’ المعيش بإحالتنا على نقطة ما في الذاكرة، فإن الأمر يبدو أشبه بصعقة كهربائية لإنعاش ميت. العلاقة بين الواقع والذاكرة هي علاقة معقدة برأيي، ومن الجيد أن الأدب لم يستطع الإجابة عنها بشكل مطلق، قدر عجزه عن الإجابة عن تعقيدات إنسانية أخرى. عجز الأدب عن تقديم إجابات مطلقة هو ما يساهم في بقائه حيا. وهو ما يجعلنا راغبين في الكتابة”.

يتابع “حاولت في هذه القصص ألا تبتلع الحرب الشخصية الأساس، أن أعيد إنتاج الحرب لتصبح ظرفا اجتماعيا أو أُسَرِيا أحيانا. ما يتيح مدى إنسانيا أوسع للأصوات. الأدب هو هذه الخديعة التي يمكن لنا عبرها منح أنفسنا شجاعة ما أو جنونا أو صوتا نحلم به. وهو أيضا تلك السعادة التي تأتي على مقاس شخص واحد فقط. أنا لا أعرف إذا كانت هذه القصص طريفة حقًا. إنها قصص فحسب والقارئ قد يجد فيها الشبح الذي يروق له. بهذا المعنى، فإن الأدب برأيي ينتمي إلى عالم شبحي بالضرورة، عالَم تخلّى، حينما أصبح جزءا من الأدب، عن أواصره الواقعية. وما يكون طريفا في الحياة، قد لا يكون طريفا في القصة”.

علاج الشاعر

نسأل الكاتب إن كان قد استطاع من خلال كتاباته التعبير عن كل ما يشعر به بكل حرية وهل تمكن من اختراق “التابوهات”؟ ليجيب ضيفنا إنه لا يفكر في أي تابوه عندما يكتب، ولا يضع هذا في سياق بطولي، وإنما في سياق من الغيبوبة أو الغياب عن الوعي. فهو لا يجد نفسه مهتما بمنازلة التابوه الاجتماعي بشكله الماكروسكوبي أو العملاقي.

يقول “نحن نتوارث التابوهات المتعلقة بالدين والجنس وتأطير المرأة وغيرها، والتي كانت قائمة في أوروبا في العصور الوسطى مثلًا وقبيل الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر. كما توارثنا الرقيب أيضا وسلوكه. أظن أن في داخل كل منا رقيبا، شرطيا صغيرا، وعلينا قمعه بالكتابة والفنون، لأن العالم لم يعد يتسع للمزيد من أفراد الشرطة. أما في ما يتعلق بالنشر فإنني لم أواجه مشكلة يوما، وكل دور النشر التي تعاملت معها، لم تفرض يوما شروطا في ما يتعلق بالمواضيع.

العيش في نقطة عنيفة من العالم

ونتطرق في حوارنا مع ضيفنا إلى الحديث عن “جنسية الأدب”، هذا السؤال الذي يؤرق الكثيرين من الكتّاب العرب الذين يعيشون في الغرب، بما يمثله من “تأطير جغرافي” للأدب فيقول مازن معروف “أعتقد أن الأدب خلال كتابته، تكون لديه جنسية، بمعنى أن المكتوب هو نتاج بيئة تشكلت بدورها من تراكم أحداث سياسية وتطورات اجتماعية وموروثات ثقافية، لكن الأدب ما إن يُنجز فإنه يفقد جنسيته، رغم أن هذه الاعتبارات قد لا تنسلخ عنه بالضرورة”.

ينعكس المنفى والشتات على نتاج مازن معروف الأدبي، سواء الشعري أو القصصي، هو الذي يعيش منذ سنوات في آيسلندا، فهو يرى أن تولد في المنفى يعني أن تولد مجرّدا من شيء ما. شيء لم تره في حياتك، كما يقول، ولن تعرف كيف سيكون أثره عليك لو لم تُجرَّد منه. فالمنفى في رأي ضيفنا، يستطيع أن يولِّد لدى المرء شعورا بالإغناء، والتمايز كذلك، لكن هذا يعتمد على قدرة المرء على التنصل “الموجِع” مؤقتا من الحالة الطارئة (الفلسطينية، في هذا السياق). في مجتمعاتنا، فإن احتمال ذلك ضئيل جدًا. وكمنفي، فأنت تشعر بأنك مُهَدَّد. تصير أزمتك السياسية أزمة وجودية. أنت تعيش كما لو أنك نقطة التقاء بين مسافتين.

بالحديث عن مازن الشاعر، وهل أن “الشاعر حين يكتب السرد لديه “امتياز” لغوي ومخيالي أيضا وتخفف من أحمال الروائي والسارد التقليدية ليقول “الكاتب الآتي من الشعر متمرس على المخيلة. الاستعارة الشعرية هي تأليف منمنم جدًا للرواية.

وإذا أردت فإنها منمنمة روائية. لكن كتابة السرد عموما مفيدة للتخفيف من غلو الأنا المقيمة في ذات الشاعر. وقد تكون نوعا من العلاج. في ‘نُكات للمسلَّحين’ عملت على السرد بالطريقة التي تساعد الشخصيات في شد علاقتها بسذاجتها أو ذكائها أو عنفها. نحن جميعا نعيش في نقطة عنيفة من العالم”.

15