السعادة ليست أرجوحة

الجمعة 2018/01/26

يختار البعض من الأشخاص الانفراد بأنفسهم واعتزال الناس لفترات زمنية قصيرة من أجل الابتعاد عن الضغوط، مما يساعدهم على تحسين حالتهم المزاجية ويخلق لديهم نوعا من التوازن النفسي الذي يجعلهم يشعرون بأنهم قادرون على السيطرة على أمور حياتهم، لكن هذا لا يشبه الإحساس بالانفصال عن العائلة والأصدقاء والمجتمع إلى أجل غير مسمى أو مدى الحياة.

“عندما لا تجد أي شخص تقدم له كأسا من الشاي، عندما لا تجد شخصا بحاجتك، عندها اعتقد بأن الحياة قد انتهت”، هكذا وصفت الممثلة البريطانية الراحلة أودري هيبورن الشعور بالوحدة الذي أصبح يتجرع مرارته الملايين من الناس حول العالم، ممن لا يجدون من يؤنس وحدتهم ويروح عن أنفسهم.

ليس هنالك ما هو أثمن من العائلة والأصدقاء في الحياة، فوجودهم في حياتنا لا يحمل فقط تأثيرا على تفاعلاتنا المباشرة معهم، بل يشعرنا بنوع من الارتباط الحسي، يمدنا بالطمأنينة ويبعث فينا الإحساس بالارتياح ويمنح لحياتنا معنى.

وعلى العكس من ذلك، يمكن أن يؤدي الشعور بالعزلة الذي تولده الوحدة، إلى مضاعفات خطيرة على الصحة الجسدية والنفسية، مثل الاكتئاب وأمراض القلب والسمنة وغيرها.

وقد ثبت علميا أن الوحدة أسوأ على الصحة من تدخين 15 سيجارة يوميا، ولكن بالإمكان التغلب عليها وعدم تركها تكون عاملا مدمرا للحياة لو استطعنا بناء شبكة علاقات مثالية قوامها الاحترام والمحبة والتعاون.

وقد استحدثت الحكومات الأوروبية العديد من الاستراتيجيات والآليات لمحاربة وطأة الإحساس بالوحدة وأعراضه وتشجيع الناس على ربط علاقات اجتماعية قوية، تكون حصنا منيعا لهم ضد الأمراض الجسدية والنفسية، مثل مشروعات تكوين الصداقات، التي تعتمد على المتطوعين، وبرامج التواصل المجتمعي، وحملات متواصلة لحث الناس على ارتياد النوادي الرياضية.

ومؤخرا عينت الحكومة البريطانية وزيرة تتولى مسؤولية التعامل مع مشكلة الوحدة التي يعاني منها بالخصوص نحو نصف الأشخاص ممن تجاوزت أعمارهم 75 عاما، بسبب طبيعة المجتمع البريطاني المتحفظ في علاقات الأفراد أولا وانهماكهم في العمل ثانيا.

وقالت الوزيرة تريسي كراوتش إنها فخورة بقبول هذا “التحدي الممتد عبر أجيال” للتعامل مع قضية تطال نحو تسعة ملايين شخص في بريطانيا. وتعهدت كراوتش (42 عاما) بأنها ستعمل مع مختلف الأحزاب السياسية لتأدية دورها.

مشكلة الوحدة لا تنتشر في المجتمعات الغربية فحسب، فصورة المرأة المسنة أو الشيخ الطاعن الوحيدين الكئيبين، أصبحت واقعا محزنا ومخزيا في أغلب المجتمعات العربية أيضا.

قبل عقود مضت كان الناس يميلون إلى العيش مع الآباء المسنين ويولونهم عناية فائقة، أما اليوم فقد عفا الزمن على تلك اللحمة العائلية المتينة، وأصبح المسنون يعيشون الوحدة والعزلة والإهمال، ولا يجدون في غالب الأحيان من يأخذ بأيديهم حتى في أشد أزماتهم.

إذا كانت الطبيعة لا تعفي البشر من الشيخوخة والمرض ومن فقدان شريك الحياة لأي سبب من الأسباب، ألا يمكن للأبناء والأحفاد أن يكونوا أكثر رحمة بذويهم، ويقتطعوا حيزا بسيطا من وقتهم لملء فراغ كبير في حياة أقرب الناس إليهم؟

تكمن المشكلة في أن معظم أفراد الأسرة قد أصبحوا مشغولين بالحديث مع أشخاص غرباء في العالم الافتراضي، مما أدى إلى تقليص مساحة الوقت المتوفر لديهم للجلوس سوية وتبادل أطراف الحديث في ما بينهم، وقد خلق هذا نوعا آخر من الوحدة تجتاح الكثيرين حتى وهم محاطون بأهلهم.

مثل هذه الأسر قد يسهل عليها عند الحديث عن السعادة، الإطناب في التحدث عما تحتويه منازلها من تصميمات فاخرة وباهظة الثمن وعيش مرفه، لكن ليس ذلك صحيحا، الأسر السعيدة لا تحتاج بالضرورة إلى الأثاث الفاخر، أو إلى أماكن للشواء، أو لأراجيح وثيرة.

الحصول على مثل هذه الميزات أمر جميل، ولكن نفحة من التوادد والتحابب والتعانق والتحادث المباشر، لا شك أنها لن تكلف غاليا، ولكنها ستعني الكثير بالنسبة لكل فرد.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

21