السعدني والشيخ إمام

الجمعة 2015/01/02

مرّت أخيرا الذكرى العشرون على وفاة المغني الشعبي الثوري الشيخ إمام عيسى. ومازلت حائرا، لا أستطيع أن أفهم ما الذي دفع الكاتب الساخر الراحل محمود السعدني، أن يكتب قبل عشرين عاما، أي بعد وفاة الشيخ إمام مباشرة، مقالا في مجلة “روز اليوسف” القاهرية، يشن فيه هجوما شديدا على الشيخ إمام، وينتقص من شأنه، ويعمد إلى تشويه تاريخه الفني، وسمعته الشخصية أيضا، في وقت كان السعدني قد عاد إلى “حظيرة النظام”، بعد أن ظل لسنوات طويلة، يعيش متنقلا بين عدد من العواصم العربية وغير العربية.

كان مقال السعدني قد خُطّ تحت عنوان “أكذوبة الشيخ إمام”، وفيه يقول إن: «الفضل في شهرة الشيخ إمام يعود إلى أشعار أحمد فؤاد نجم، وليس إلى “ألحان” الشيخ إمام، لأنه لم يكن هناك تلحين من أي نوع». هكذا بالحرف.

ويضيف في اندفاع غريب قائلا إن: «الشيخ إمام كان يضرب على العود بطريقة المنجد الذي يضرب على القوس لتنجيد المراتب، كما أن صوته لم يكن من النوع الذي ترتاح لسماعه الآذان، ولكنه بالرغم من ذلك صار ضيفا كل ليلة على بيت مختلف، وموضع احتفال سميعة من مختلف الأعمار والطبقات، وارتاح الشيخ إمام في تلك الأيام، فقد وجد أخيرا القعدة الطرية، واللقمة الهنية، وما طاب ولذّ من المشروبات والمطعومات».

مسترسلا: «كما أنه استطاع أن يخدع بعض المثقفين فيربطون بينه وبين الشيخ سيد درويش وهي نكتة بلا شك، لأن الفرق بين الشيخ سيّد درويش والشيخ إمام، هو نفسه الفرق بين مخترع الطائرة والراكب الذي استخدمها في رحلة من لندن إلى باريس».

وكان ممّا كتبه السعدني أيضا أن: «الشيخ إمام كان يردّد أشعار نجم ولا يلحنها، لأن التلحين له أصول وقواعد، ولا يجيد صنعة التلحين إلاّ فنان، والشيخ إمام كان بريئا من كل هذه الصفات».

وكان السعدني قد اعتُقل في حياته مرتين: الأولى وقت حملة نظام عبدالناصر ضدّ الشيوعيين عام 1959 حينما سجن في معتقل الواحات الشهير، وهي الفترة التي روى عنها في كتبه، وتفاخر بأنه كان يتقرب للسجانين عن طريق رواية النكات لهم وإضحاكهم. والمرة الثانية بعد انقلاب السادات عام 1971 على أقطاب نظام عبدالناصر، واعتقل السعدني وقتها، بسبب “نكتة” قالها في التليفون، تسخر من السادات.

وقد أطلق السادات سراحه بعد أن كتب التماسا له، ثم ذهب إلى الخارج، وتزعم في لندن مشروع مجلة “23 يوليو” التي كانت تعارض السادات، وكانت تحصل على تمويل من العراق وليبيا، وكتب ونشر بعض رفاقه في المجلة، الكثير عن عبثه وتبديده لأموال “المجلة المناضلة”، كل ليلة على موائد القمار ونادي “البلاي بوي” وغيره.

لكن السعدني كان قد أصبح “ظاهرة حكائية”، فقد كان حكّاء من الطراز الأول، يعرف جيدا كيف يمزج بين الروايات الحقيقية، وبين ما يجود به خياله الشخصي الخصب، وعندما كان يتفاخر بنضاله ضدّ الاحتلال البريطاني في مصر، كان يروي كيف أنه كان يخطف قبعات الجنود الأنكليز السكارى من فوق رؤوسهم في شوارع القاهرة.

وربما أراد السعدني في هجومه على الشيخ إمام، التقرّب من منظومة الأمن في نظام “السادات - مبارك”، وإبداء الولاء لها، عن طريق ازدراء رمز من رموز المقاومة الشعبية ضدّها، وهي مقاومة دفع ثمنها الشيخ إمام الكثير تعذيبا وقهرا وسجنا. رحم الله السعدني وغفر له، ورحم الله الشيخ إمام رحمة واسعة.


ناقد سينمائي من مصر

17