السعوديات وسجن الرجال

الثلاثاء 2016/09/20

في عام 2003 قرأت سيرة اللبنانية سهى بشارة في كتابها الذي جاء بعنوان “المقاومة”، سهى الأرثوذكسية المذهب قامت وهي في عمر العشرين بمحاولة اغتيال العميد أنطوان لحد، قائد ما كان يسمى بجيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل، نجا لحد من محاولة الاغتيال وتم اعتقال سهى بشارة بسرعة وحبسها في معتقل الخيام الشهير، وتم إطلاق سراح سهى في الثالث من سبتمبر عام 1998، بعد انطلاق حملات لبنانية وأوروبية وإسرائيلية مكثفة لصالحها.

أما لماذا تذكرت الآن سهى بشارة؟ ولماذا خطرت في ذهني ما إن بدأت في كتابة المقال؟، الحقيقة التي دفعتني إلى تذكر بشارة، هي تلك المحادثة التي ذكرتها في كتابها قبل أن تقدم على الاغتيال، إذ سألت رفيقها وهما يترجلان على قدميهما، ماذا لو تم القبض عليها كيف سيكون تعذيبها؟ أخبرها رفيقها أنه سيتم استخدام الكهرباء والضرب والركل، حينها أخذت نفسا عميقا وقالت إن هذا الأمر من السهل تحمله.

الأمر مثير للغاية أن تجد سهى أن ربطها ووضع أسلاك الكهرباء في جسدها لهو أمر يمكن تحمله، وأقدمت على الاغتيال وفشلت في تصويب الرصاص تجاه لحد، ليتم القبض عليها وإيداعها في السجن، لقد كانت مؤمنة تماما بقضيتها، لذا، كتبت عن الأيام الطويلة التي قضتها في معتقل الخيام، وكيف استطاعت أن تتحدى القمع الوحشي، مؤمنة بأهمية ما قامت به.

في السعودية حيث أعيش بدأت حملة ضخمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدا “تويتر” تطالب فيها بعض النساء والفتيات بإسقاط ولاية الرجل، الحملة استمرت فترة طويلة، “الهاشتاغ” مليء بالقذف والشتم والتخوين من كلا الجانبين، الراغبات في إسقاط الولاية أو من هن ضد هذا “الهاشتاغ”، لذا، فكل ما ستقوم به أنك تتحاشى المشاركة فيه، أو حتى مجرد إبداء رأيك وتوضيح بعض القوانين التي لا يدركنها البعض منهن، ستجد نفسك تسقط في الوحل، هجوم ستتعرض لهُ فقط لأن البعض لربما اشتممن رائحة أنك ضد مطالبهن.

ولهذا أوردت قصة سهى بشارة التي قامت بمحاولة الاغتيال، من دون أن تهتم للوحشية الجسدية والنفسية التي سوف تواجهها في حال القبض عليها، فمن يملك قضية لا يمكن لهُ أن يهتم بما سيواجهه من سلوكيات عقائدية وفكرية وتعذيب جسدي، فالإيمان بالفكرة والقضية وتعبيرك عن طرحك الذي تؤمن به إيمانا لا شك فيه، يجعلانك رغما عنك في تصالح مع ذاتك، ومنفتحا على اختلاف الأطراف الأخرى، أي أنك ستتخلى عن لحن الصوت الأحادي، لن تستطيع أن تستمع لصوتك فقط، سيتوجب عليك أن تستمع لمن حولك، أن تدافع بكرامة وشرف عن قضيتك، فأنت لا تعيش في عالم بمفردك، إنك تعيش في مجتمع توجد به المئات من الأطياف والمعتقدات والتشريعات والأصوات الذكورية والأنثوية، الأصوات المزعجة والمضطربة، الأصوات التي تبصق والأصوات التي لا تعترف باحترام حقوق الطرف الآخر، فإذا كنت تشعر بالاضطهاد مما يحدث لك، فلا يمكنك أن تمارسه على الآخرين الذين يخالفونك الرأي، ولكن ما يحدث في وطني يختلف تماما عن كهرباء سهى بشارة.

المؤسف في "الهاشتاغ" ليس فقط كمية السباب والشتم، ولكن تحويل القضية إلى هـوس تجاه كل من لا يبارك الفكـرة والمشروع، حتى أن البعض منهن لجأن إلى وضع قائمة أسمينها قائمة العار، دون أن يدركن أن ما يفعلنه هو ما ينقص من قوة الحق الذي يبحثن عن تحقيقه

حينما تشرح للعالم قواعدك الفكرية والحقوقية، عليك أن تدرك تماما أنه لا يمكن أن يكون هناك إجماع شامل على هذه الحقوق، فالبعض سيهاجمك من دون أن يتعرف على الفكرة من أساسها وأهدافها الحقيقية، في الوطن العربي لدينا حساسية مجهدة تجاه الصوت الآخر، وتجاه مشروع ماذا يعني أن تحمل قضية، هناك صعوبة في التعبير، الأفكار تبدو متناقضة وتكشف لك سريعا الحالة الذهنية التي يتحدث بها المعارض أو صاحب المشروع الحقوقي.

فكرة إسقاط الولاية في لبها تهدف إلى تقليص تحكم الرجل السعودي في المرأة، ولا أظن أن لها أهدافا سياسية وأبعادا أكثر من أن العديد من النساء يجدن أن الرجل استطاع أن يستفيد من الوصاية، بالتحكم في حياة المرأة وتحويلها إلى عبودية أحيانا، ومعاناة وقمع لأبسط حقوقها التي يشرع بها الدين الإسلامي، حيث تصبح المرأة عاجزة عن العيش بكرامة تحت ظل ولي أمر لا يمكنه أن يكفل لها حياة سعيدة، هذا هو ما تطالب به المرأة، أنها ببساطة لا تريد أن يكون للرجل الحق القانوني الكامل لكي يتحكـم في مصير حياتها، المطالب لا تستدعي لتحقير الراعين لهذا “الهاشتاغ”، فالمشاركات به بالتأكيد وجدن حياة بائسة في ظل وجود قانون يدعم التحكم بحياتهن من قبل الرجال.

ولكن، الملاحظة التي وجدتها في “الهاشتاغ”، أن المشاركات لا يفهمن تماما القوانين ولا يحاولن أيضا البحث عن المعلومات بشكل دقيق، الولاية في الشرع الإسلامي في عقد الزواج ورعاية القصر، عدا ذلك لا توجد ولاية كما تفهمها المشاركات في “الهاشتاغ”، البعض يعتقد أنه لا يمكن لهُ أن يعيش إلا بوجود صك الولاية من الرجل، ولكن الحقيقة أن هناك قوانين وضعية يجب أن تتلاشى، كأخذ الموافقة من قبل ولي الأمر للسمـاح لعمل ابنتـه أو زوجته، أو في استلام السجينات حينما تنتهي مدة محكوميتهن، حيث أنـه في حـال رفضت الأسرة استقبال السجينة، للأسف يتم تحويلها إلى مكتب الرعاية الاجتماعية، من دون أن يكون لها الحـق في بـدء حياة جديدة بمفردها، ومن دون تدخل الأسرة أو ولي أمرها تحديدا، حيث تنتهي حياتها بين جدران الرعاية الاجتماعية بسبب تعنت الأسرة، وهنا يجب أن تسن قوانين جديدة يحق للسجينة استئجار منزل واستخراج الجواز والعمل من دون أذن أي رجل أو وصي.

المؤسف في “الهاشتاغ” ليس فقط كمية السباب والشتم، ولكن تحويل القضية إلى هـوس تجاه كل من لا يبارك الفكـرة والمشروع، حتى أن البعض منهن لجأن إلى وضع قائمة أسمينها قائمة العار، دون أن يدركن أن ما يفعلنه هو ما ينقص من قوة الحق الذي يبحثن عن تحقيقه، لا أعرف إن فعلت سهى بشارة ذلك حينما لم يبارك البعض ما قامت به، رغم أنها كانت مثل السعوديات أيضا تمتلك قضية حقيقية، من دون قائمة العار.

كاتبة سعودية

9