السعودية أثبتت مهارة عالية في السياسة الخارجية

الخميس 2017/02/23

المشكلة اليوم هي إيران، نظامها ديني ويريد التوسع. كيف يمكن للخليج التعامل مع حسن نصرالله أو الحرس الثوري؟ إيران تهدد دول الخليج في خطابات تحريض بشكل منظم ودوري. من ناحية اقتصادية الشركات العالمية تعمل بالخليج بينما لا وجود لها في إيران التي تسيطر على اقتصادها شركات الحرس الثوري وتوظف المليارات في نشاطات إرهابية، ولا وجود للشركات العالمية في العراق وسوريا أيضا بسبب التبعية لإيران. شيء طبيعي أن تعمل المصالح الاقتصادية دورها، وتخلق طقسا مشتركا بين هذه الدول الناجحة ضد التهديد الإيراني، فهو تهديد لاقتصاديات عالمية مهمة. وبعد الذي جرى في سوريا والعراق فإن أي عربي سيرى إيران أخطر من غيرها.

السعودية أثبتت مهارة عظيمة في السياسة الخارجية. لم تسمح لإيران بالتسلل إلى تحالف مع أميركا على حساب العرب، ولم تسمح لأي شيخ متطرف أن يتكلم في السياسة والأمور العامة. حصرت المملكة الخطاب السياسي بيد النخبة وأصحاب الخبرة. السعودية تعرف المحاولات الإيرانية مع دولة الكويت على اعتبار أن البعث وسنة العراق احتلوا الكويت ومن المصلحة التقارب مع الشيعة، وحتى تقارب إيران مع سلطنة عمان لم ينجح لأن السلطنة ترى مصالحها مع العرب والسعودية تحديدا. رغم رغبة عمان برفع العقوبات عن إيران وتحقيق شراكة اقتصادية مع سوق ضخمة، إلا أن السياسة السعودية أثبتت احترافا عاليا واستطاعت جمع الصف العربي ضد الخطر الإيراني.

تم الضغط على المملكة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما ولكنها لم تقع أبدا في فخ الخطاب الإسلامي المتطرف. بقيت السعودية محتفظة بمهارة براغماتية عالية. إن أي فريق سياسي آخر غير السعودية لو تعرض لتلك الضغوط لسقط في تصريحات متخبطة، ولكن الإدارة السعودية عمرها مئة عام وصاحبة خبرة متراكمة. السعودية لها موقف سياسي من إيران، لكنها تعبر دائما عن تقديرها للشعب الإيراني وعمقه الحضاري.

تجاهل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي سؤالا متعلقا بعرض إسرائيل التحالف مع الدول العربية لمواجهة الخطر الإيراني، فالسعودية ملتزمة بالحقوق العربية ومصالح الشعب الفلسطيني، بينما وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال في ذات المؤتمر “من الجيد أن نقوم حاليا بتطبيع علاقاتنا مع إسرائيل”. الغريب هو عدم توجيه الإسلاميين النقد إلى تركيا (راعية الإخوان المسلمين)، فهي الطرف المتحمس لهذا التقارب.

أهم كلمة متعلقة بالشرق الأوسط في مؤتمر ميونيخ كانت لوزير الخارجية السعودي فقد قال إنه فيما يتعلق بإدارة دونالد ترامب فالرئيس عملي، هو رجل أعمال يحل المشكلات وليس رجل أيديولوجيات. يريد أن تضطلع الولايات المتحدة بدور في العالم، ورأينا أنه عندما تبتعد الولايات المتحدة فإن هذا يؤدي إلى مخاطر عدة، لأن ذلك يخلق فراغا وتظهر قوى أخرى ويتطلب ذلك جهودا إضافية من أجل مكافحة هذه القوى الشريرة.

يقول الجبير “ترامب يؤمن بهزيمة داعش ونحن كذلك، يؤمن باحتواء إيران، ونحن كذلك، يؤمن بالعمل مع الشركاء الاستراتيجيين، ونحن كذلك. وعندما ننظر إلى الشخصيات التي تم تعيينها مثل وزير الدفاع ووزير الخارجية ووزير التجارة ووزير الخزانة، كل هؤلاء لديهم خبرة كبيرة ومهارات عالية وهم يشاركوننا هذه الرؤية للعالم”. هذا يعني أن الجبير يفكر كما يفكر الكاتب الأميركي توماس فريدمان الذي قال علينا إهمال العروض الكلامية التي يقدمها ترامب والنظر إلى أفعاله.

بالنسبة إلى الجبير فإنه يرى رجال الإدارة الجديدة يشتركون معه في وجهات النظر وهذا هو المهمّ. وصف الجبير إيران بأنها الراعي الرئيسي للإرهاب في العالم وقوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط. بغض النظر عن تصريحات ترامب المتهورة التي اعتاد عليها العالم، فوزير الخارجية السعودي يرى نفسه قريبا من وجه نظر الحزب الجمهوري الصارمة في التعامل مع سياسة إيران التوسعية، أكثر من الحزب الديمقراطي الذي يصور المسألة على أنها مجرد صراع طائفي بين إيران والسعودية.

لينزي غراهام، عضو مؤثر في مجلس الشيوخ الأميركي، قال في مؤتمر ميونيخ إن أعضاء جمهوريين في المجلس يعتزمون تقديم تشريع لفرض عقوبات أخرى على إيران متهمين إياها بانتهاك قرارات مجلس الأمن “أعتقد أن الوقت حان كي يواجه الكونغرس إيران مباشرة فيما يتعلق بما فعلته خارج البرنامج النووي”. وفي سياق متصل بحث السيناتور الجمهوري جون ماكين الثلاثاء الماضي في الرياض “علاقات الصداقة بين المملكة السعودية والولايات المتحدة”، والتقى ولي العهد وولي ولي العهد ووزير الخارجية ووزير الحرس الوطني. السعودية تسعى إلى إسقاط قانون “جاستا” الذي أساء للعلاقات بين البلدين في عهد أوباما فقد جاءت تلك الإدارة ببدعة التقارب مع إيران.

بالرغم من كل ما يقال عن ترامب، إلا أنني أعتقد أنه قد عرف لغز الدواعش الذين يريدون من العالم أن يفكر فيهم ويتحدث عنهم. ترامب جعل العالم يفكر فيه ويتحدث عنه، فهو نجم تلفزيوني قبل أن يصبح رئيسا. نرجسية ترامب أكبر من نرجسية داعش. هكذا انتهت تلك الحملة التضخيمية لداعش التي خلقتها وسائل إعلام أميركية تتعرض اليوم لضربات موجعة من البيت الأبيض، بحيث جعلها ترامب تفكر فيه وتتحدث عنه، ولا وقت عندها لتضخيم داعش في عقول الناس. أخيرا صدر إصدار داعشي جديد “ضرام الغارات” ذات التفاهات وقلة العقل. اللطيف أنهم يتحدثون عن الإعلام العسكري والحرب الإعلامية ضدهم، وهذا كما قلنا بسبب كفاءة ترامب الذي عالجهم بالإهمال والاحتقار.

هناك سوء فهم لشخصية ترامب وما يحاول القيام به في العالم. الإعلام الأميركي غير معتاد على رئيس يتهمه بالترويج للأنباء الكاذبة، لا اليابان ولا ألمانيا معتادتان على رئيس أميركي يتحدث عنهما بهذا الشكل. رئيس وزراء أستراليا لم يعجبه إغلاق ترامب الخط الهاتفي بوجهه، ولا رئيس المكسيك معتاد على رئيس أميركي يطلب منه ألا يأتي إلى واشنطن إلا إذا جلب المال الكافي لبناء جدار بين أميركا والمكسيك، ولا حتى الدول العربية معتادة على رئيس يصفها بأنها “لا تملك شيئا سوى المال” وعليها إنفاقه لأجل مناطق آمنة في سوريا. الواضح للمراقب أنه تهريج مقصود للإثارة وشفاء العالم من هيمنة داعش الإعلامية التي سمحت بها إدارة أوباما وأمرضت العقول بخبثها.

تحدثت “الإندبندنت” عن أن رئاسة ترامب ستكون ثاني أقصر رئاسة في تاريخ الولايات المتحدة. البروفيسور رونالد فينمان تنبأ بأن نجم العروض التلفزيونية السابق سيبقى في الرئاسة بين 31 يوما التي قضاها ويليام هنري هاريسون عام 1841 حيث توفي بالتهاب رئوي، و199 يوما التي قضاها الرئيس جيمس غارفيلد عام 1881 حيث مات بعد محاولة اغتيال بطلق ناري.البروفيسور المتخصص في تاريخ القرن العشرين والذي نشر كتابا عن الأقدار المؤسفة لقادة الولايات المتحدة، يعتقد أن رئاسة مايك بنس، نائب الرئيس الحالي، قضية لا يمكن تلافيها بعد إقالة الرئيس. وقال “عدد كبير من المتخصصين بالسياسة الخارجية يهزون رؤوسهم أمام تصرفات ترامب غير اللائقة، ولتغريداته في تويتر وعدم استقراره. حقيقة إن نائب الرئيس مايك بنس لعب دورا كبيرا في التخلص من مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين يعتبر علامة على أنه يعتبر نفسه ندا لترامب”، يبدو نائب الرئيس غير مرتاح لتصرفات ترامب. في نظر فينمان رجل الأعمال لا يمكن أن يكون سياسيا ناجحا.

لم يتم عزل رئيس أميركي من منصبه حتى اليوم على الرغم من وجود محاولات في السابق لعزل بيل كلينتون وأندرو جونسون. كلاهما تم إنقاذه من قبل مجلس الشيوخ. ريتشارد نيكسون أيضا استقال بعد فضيحة ووترغيت لتحاشي قرار العزل. ثم كيف يتصور البروفيسور أن نائب الرئيس بنس غير مرتاح لتصرفات رئيسه، أو ينظر له بندية بينما في الوقت ذاته انتقد خبراء أوروبيون كلمة نائب الرئيس في مؤتمر ميونيخ لأنه ذكر ترامب 19 مرة.

السعودية من خلال خبرتها السياسية الطويلة عرفت أن تهور ترامب وتهريجه الصاخب مقصودان واستعراضيان ويجب التعايش معهما، ولا ضرر فيهما طالما الأفعال تصب في مصالح العرب والمنطقة، والمملكة تشاطر رجال الإدارة الجديدة في البيت الأبيض الرؤية ذاتها. وبصراحة نرفع جميعا القبعات كمحللين سياسيين متواضعين لمهارة اللاعب السعودي الذي تجاوز الأفخاخ التي نصبتها إدارة أوباما السابقة للمملكة.

إيران لا تعرف اليوم كيف ترد على اللاعب السياسي السعودي. الرئيس روحاني قام بجولة يائسة إلى الكويت وسلطنة عمان وحديث متأخر عن المصالحة مع المملكة. المتحدث باسم الخارجية الإيرانية كشف أن وفدا إيرانيا سيتوجه إلى السعودية في نهاية الأسبوع الجاري لبحث ظروف موسم الحج المقبل. لهجة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تغيرت وصارت أشبه بالتوسل. لم يعد هذا ينفع إلا إذا غيّرت إيران سياستها.

وزير الخارجية السعودي لا يعتقد أن إيران دولة غير منطقية وأنها تعرف الخطوط الحمراء جيدا. الأمر يحتاج فقط إلى سياسة أميركية صارمة في هذا الشأن. أي أن إيران تتراجع إذا كانت هناك جديّة أميركية. وزير الخارجية التركي في مؤتمر ميونيخ قال صراحة إن إيران تسعى إلى “نشر التشيع” في العراق وسوريا بالقوة وهذا حقيقة، وقد عبر عن ذلك الجبير بكلمات محترفة بقوله إن إيران “تسعى إلى قلب النظام في المنطقة”.

ما فائدة الكلام الإيراني المعسول إذا كان مستشار المرشد علي خامنئي علي أكبر ولايتي قال قبل أيام “لتعلم أميركا أن إيران لا تستأذن أحدا في الدفاع عن نفسها، لهذا هي تقوم دائما بتطوير قدراتها الصاروخية”، و“إذا ما تصورت أميركا أنها بهذه العقوبات والتهديدات ستدفع إيران إلى إيقاف برنامجها الصاروخي، فهذا تصور باطل ومجرد تخيّلات، سنواصل تطوير نظامنا الدفاعي وبالأخص البرنامج الصاروخي مهما كلف الأمر ومهما كان الثمن”. ويقول “سياستنا في المنطقة مستمرة كما هي، وعلى ترامب أن يجمع قواته وينسحب من المنطقة”.

كاتب عراقي

8