السعودية أقوى مما يتصور السعوديون

تمتلك المملكة العربية السعودية من المقوّمات ما يؤهلها لأن تقود المشهد الإقليمي، لا أن تقاد فيه، خاصة إذا ما تمّ تفعيل مشروع إصلاح حقيقي وشامل ينقل المملكة إلى مصاف الدول الحديثة من حيث المضمون، وتبني مشروع إصلاح البيت العربي بما يجعل أهداف محور الاعتدال العربي ممكنة التحقيق.
الأربعاء 2015/12/02
مع روسيا والسعودية في الصورة والإصبع يشير إلى إيران

في العامين الأولين من الثورة السورية، عزمت إحدى الغرف التجارية في المملكة على إقامة معرض للمنتجات الروسية، وإذ بعاصفة شعبية ثم رسمية تلغي المعرض من أساسه، فالمشاعر متّحدة على التضامن والتعاطف مع الثورة السورية، والغضب منصب على أنصار بشار الأسد في مجلس الأمن خصوصا روسيا والصين، ورحم الله الأمير سعود الفيصل يوم أسمع الرئيس المصري ما يجب أن يسمعه بعد أن قرأ رسالة بوتين إلى القمة العربية الأخيرة.

كان الأمير سعود صخرة السياسة السعودية بكل معنى الكلمة، إذا نال تفويضا من القيادة أو وجد قرارا يتناغم مع قناعته الشخصية لن يوقفه أحد ولن يزحزحه إعصار، ومع مكوثه الطويل في موقع وزارة الخارجية إضافة إلى مواهبه الشخصية من انضباط وحنكة وأدب ومعرفة ارتفعت مكانته شخصيا واعتباريا فوق مقام الوزارة.

ومن يعرفون بواطن الأمور يؤرخون نجم الفيصل منذ مطلع الألفية الجديدة، واختيار ذلك التوقيت ليس عبثيا رغم توليه وزارة الخارجية عام 1975. كان الملك فهد بعيدا عن المركزية في إدارة السياسة الخارجية، بعض الملفات أسندها إلى جهاز المخابرات وغيرها لوزارتي الدفاع والداخلية، حتى إمارة الرياض نالت نصيبها من السياسة الخارجية. وأسند الملك فهد إلى سفيره في الولايات المتحدة الأمير بندر بن سلطان مهام تتجاوز منصبه بكثير. وكان ساعده الحقيقي في السياسة الخارجية هو وزير الدولة محمد إبراهيم مسعود. ونستنتج مما سبق أن وزارة الخارجية نالت الحصة الأقل من كعكة السياسة الخارجية، وربما بصياغة أفضل، كانت جهة تنفيذية فقط. وحين تولى الملك عبدالله مقاليد السلطة قبل تسلم مفاتيح العرش، بدأت تتضح مركزيته في إدارة السياسة الخارجية، وهو ما حول وزارة الخارجية من جهاز تنفيذي وإداري إلى مركز لصناعة القرار، فانعكس ذلك إيجابيا على موقع الأمير سعود.

لذلك، فالقراءة المنصفة لحقبة الأمير سعود مرتبطة حصرا بعهد الملك عبدالله نظير تنوع تكتيك الحكم السعودي خلال عقود. وإذ ننظر إلى تلك الحقبة اليوم نلاحظ قوة هادرة شابها الثقل والبطء، ولعل الوصف الدقيق لتلك المرحلة أستعيره من وثائقي موضوعه الملاكم الأسطوري محمد علي كلاي، والحديث هنا لأحد خبراء الملاكمة “مع تقدم كلاي في السن وتوقفه الاضطراري عن ممارسة اللعبة ردحا من الزمن افتقد سرعته المميزة واللازمة، لكنه عوض ذلك بقدرة التحمل وقوة اللكمة، من الممكن أن يتلقى كلاي العشرات من اللكمات متأثرا قليلا أو كثيرا، لكن لكمة واحدة منه كافية للقضاء على الخصم، لذلك اعتمد كلاي على استراتيجية الصبر والنوع، فليفعل خصمه ما شاء، سيتحين كلاي فرصة الانقضاض لينتصر بضربات مكثفة وموجعة”.

المقومات الذاتية السعودية غير كافية، هي بحاجة إلى منهج ومشروع يلغيان سلبيتها ويسلحانها بمغناطيس الجذب
كانت السياسة الخارجية في عهد الملك عبدالله محدودة الحيوية والنشاط، لكنها إذا ضربت أصابت في مقتل وقلبت الموازين رأسا على عقب، انظر إلى إخراج البعث السوري من لبنان وثورة 30 يونيو في مصر وقبل ذلك كله المبادرة العربية للسلام. تذكرت هذه الأحداث وأنا أرى الملك سلمان يطلق عاصفة الحزم مباغتا الخصوم وقالبا الموازين، لتستحق العاصفة أن تكون عنوان مرحلة بدلا من مسمى عملية خاصة باليمن، هذا ما نتمناه ونطالب به.

نجم آخر لم يخفت بريقه في عهد الملك عبدالله هو الأمير بندر بن سلطان. وكتابه “الأمير” أرخ نجوميته في عهد الملك فهد، لكنه في عهد الملك عبدالله لم يتوقف، فثورة 30 يونيو المصرية هي إنجازه الشخصي بامتياز بالتحالف مع الثعلب المصري العجوز المشير محمد حسين طنطاوي.

وهناك أمور أخرى يعرفها الإيرانيون وغيرهم ليس الآن أوان ذكرها، ومع ذلك فإن نجم بندر ليس متوفرا دائما، في عهد الملك فهد كان أفوله قليلا، أما في عهد الملك عبدالله كان يغيب ويحضر حتى طغت مساحة الغياب على ثغرات الحضور منتهية إلى التقاعد الرسمي بعد وفاة عبدالله.

في ذلك الزمن كتبت مقالة بعنوان “الولايات المتحدة السعودية” مطالبة بأن تكون المملكة بالنسبة للشرق الأوسط ما تمثله الولايات المتحدة بالنسبة للعالم كقيادة وتأثير، وموقع المملكة الجغرافي ووزنها الديني والاقتصادي من العوامل التي تؤهل المملكة لهذه القيمة. مهما فعلت تركيا ستعيقها العجمة، وإيران مهما تغولت لن تعالج عجمتها في بحر عربي ولن يغفر المحيط السني هويتها الشيعية، فالغرباء سيرحلون عاجلا أو آجلا، إسرائيل نفسها أدركت ذلك نسبيا وأعلنت عن جدار العزل الذي يدل على هاجس البقاء وهدف الانكفاء لا التوسع.

المقومات الذاتية السعودية غير كافية، هي بحاجة إلى منهج ومشروع يلغيان سلبيتها ويسلحانها بمغناطيس الجذب، أما المنهج فهو “السيطرة على الزمن بدلا من السيطرة على الأرض”، وفق نص بيل كلينتون، واعتبار الجيش أداة أصيلة في السياسة الخارجية (وهذه تحققت بعاصفة الحزم) لمجابهة تحدي الإرهاب وميليشيات إيران التي تستهدف قيمة الدولة.

المقومات الذاتية السعودية غير كافية، هي بحاجة إلى منهج ومشروع يلغيان سلبيتها ويسلحانها بمغناطيس الجذب

والمشروع يرتكز على قواعد عدة، التخلي عن الهوية السلفية لصالح الإسلام الفردي الجامع والعروبة الطبيعية لاحتواء التنوع العربي والإسلامي وتمكين المواطنة، الإيمان بأن الأمن القومي “أو الوطني” يبدأ من الداخل، أي الشروع في مشروع إصلاح حقيقي وشامل ينقل المملكة إلى مصاف الدول الحديثة من حيث المضمون قبل الشكل وتبني مشروع الملك عبدالله لإصلاح البيت العربي، حينها تصبح أهداف محور الاعتدال العربي ممكنة التحقيق (تحقيق عملية السلام، إخراج إيران من المنطقة، استئصال مرض الإرهاب)، لن نحقق شيئا له قيمة في ظل الوضع الراهن لفقر “المحافظة” من كل أسباب الجاذبية ولأن ردود الأفعال ستضعنا تحت رحمة الآخرين.

ما مناسبة هذا الكلام؟ من خلال ما أراه في لبنان وسوريا وجدت أننا انتقلنا من مرحلة ثقيلة أكثر من اللازم إلى مرحلة سيولة مفرطة. أتفهم سيادة مناخ يرى أن الولايات المتحدة أدارت ظهرها لنا ورحلت. ويعتقد أصحاب هذا المناخ أننا يجب ألا نضيع الروس، ربما تكون حساباتهم صحيحة، لكن التنفيذ أكثر من رديء.

ما تفعله روسيا في سوريا هو “إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية” بكل معنى كلمة ولا أرى تصريحا سعوديا واحدا يدين إرهاب موسكو. بل ما أراه هو تدليل لا مبرر له لبوتين وعصابته آخرها عقود تقدر بـ 5 مليار دولار تضر الأتراك أكثر مما تنفعنا. قد تكون روسيا أقوى منا على مستوى العالم، لكننا في منطقتنا أقوى من روسيا وأميركا مجتمعتين، حين أرادت أميركا فرض الإخوان استطعنا إسقاط هذا الخيار بالتعاون مع الإمارات والجيش المصري. بوتين نفسه يدرك هذه الحقائق كما بدا من أزمة إسقاط السوخوي، فأول تصريح رسمي روسي هو أن إسقاط الطائرة لن يؤثر على إمدادات الغاز. يعرف بوتين أن أردوغان أرسل جنوده للقتال المباشر في حلب. ويعرف أيضا أنه لا حل في سوريا من دون تركيا والسعودية، أي أن نجاحه مرتبط بأنقرة والرياض قبل طهران والضاحية.

كل ما يفعله بوتين في سوريا سينتهي إلى إطالة عمر بشار الأسد ونظامه والنفوذ الإيراني، هو يذكرنا بما فعله نوري المالكي في العراق

لا بد من إدارة العلاقة السعودية الروسية بشكل سليم وبضوابط صارمة، وأي تفضيل بين موسكو وأنقرة لا خيار أمامنا إلا أنقرة الأقرب إلى حدودنا من روسيا التي تفصلنا عنها بحار وصحارى، ومن يخشى من تأثير روسي سلبي على ساحة اليمن من الغريب أن ينسى قدرتنا على الرد حول دمشق.

كل ما يفعله بوتين في سوريا سينتهي إلى إطالة عمر بشار الأسد ونظامه والنفوذ الإيراني، هو يذكرنا بما فعله نوري المالكي في العراق، أعلن الحرب على السنة تحت غطاء مكافحة داعش، فانتهى ثلث العراق في عهدة داعش بعد إضعاف السنة. في سوريا أعلن بوتين الحرب على الثورة تحت غطاء محاربة الإرهاب، لم تنل داعش إلا حصة العشر من الضربات الروسية العشوائية والبقية ذهبت على رؤوس السوريين والمعارضة المعتدلة. والنهاية إما دعشنة سوريا أو سقوطها في يد إيران. والمؤسف فوق كل ما سبق هو الدور المصري المؤلم المعبر عنه بأحاديث عن تزويد القاهرة لبشار بأسلحة وذخائر.

لبنان يسير في سياق غريب، فعاصفة الحزم حررت 70 بالمئة من الأراضي اليمنية، والسعودية مع قطر وتركيا منتصرون في نصف سوريا أقله، والنتيجة المنطقية لهذا السياق هو رئيس من قوى 14 آذار في لبنان أو رئيس توافقي، لكننا فوجئنا بحليف المملكة سعد الحريري يفكر في ترشيح سليمان فرنجية صديق بشار الأسد والرياض تستقبل عبدالرحيم مراد تابع علي مملوك، أتفهم أن حسابات دولية تقف خلف هذه التطورات، لكن صناع هذه الحسابات ومن أيدها لا يعلمون أن الظروف المحلية في لبنان بعيدة عن ظنونهم.

في القلب غصة ما لم تثبت الأيام خطأ التحليل الشخصي، من ثقل فائض عن الحد إلى سيولة أكثر من اللازم، ألم نتعلم أن خير الأمور الوسط؟ والله غالب على أمره لكن أكثر الناس لا يعلمون.

صحافي سعودي

6