السعودية أمل الجبرين تكتب رواية عن قرية افتراضية وبطل غريب

في رواية "غايكوب" يتشابك الواقع مع المتخيل، والحقيقي مع الوهمي،  الحاضر والمستقبل، في نص أشبه بسيناريو فيلم.
السبت 2019/04/13
تداخل الأزمان السردية (لوحة لنور بهجت المصري)

مكة (المكرمة) - تتبع الروائية أمل الجبرين في روايتها الأخيرة “غايكوب” حياة عربي يعيش في قرية اسمها “أم النخل”، وهي قرية افتراضية لا توجد على الخارطة.

 أول ما يصادف قارئ الرواية هو عنوانها الغريب بعض الشيء، والذي يرتقي إلى لغز، حيث تبدو كلمة “غايكوب” غريبة عن قاموسنا العربي المتداول، ولهذا تنعكس لعبة العنونة مع هذا العمل الروائي، إذ لا يتشكل العنوان مفتاحا للعمل، بل العكس العمل هو الذي يشكل مفتاحا للعنوان، حيث لن نفهم العنوان ومقصوده إلا لو قرأنا العمل وأتممناه مستوعبين قصد الكاتبة.

تتبع الكاتبة مسار شخصية العربي، تلك الشخصية التي أطلقت عليها اسم “غايكوب” أو “يعقوب”، هي ليست مسجلة في دفتر النفوس أو الأحوال المدنية، لكنها حاضرة في الكثير من الوجوه التي تصادفنا في الحياة.

أما زمن الرواية فهو يتناول الحاضر والمستقبل الذي نعيشه بكل تداعيات الألم والفجائع والمآسي، والموت، وهو الحاضر الذي يربض فوق أكتاف الناس وصدورهم كما الجبال، والمستقبل الذي يقع بين الجنون أو الموت.

حكاية غايكوب تتداخل فيها الأزمان السردية بين الخطي الحكائي والاسترجاعي التي تشكل نواقل لجماليات الحكاية، وتتبع أسرار الناس الذين يتعرف عليهم غايكوب، وهولاء لا يقلون عنه مأساوية، سواء أكان والده بالتبني سعد الإمام، أو العامل البنغالي عائد، وخالد المساعد، والطبيب العراقي الذي قُتلت عائلته بوحشية.

معاينة هواجس الإنسان العربي في عقدي الألفية الثالثة
معاينة هواجس الإنسان العربي في عقدي الألفية الثالثة

هؤلاء مثلوا عوالم مضافة للسيرة الذاتية لغايكوب لتنفتح الحكاية على جملة من المرايا التي يرى فيها السارد ملامحه أو لا يراها، والتي يطلق فيها على عناوين الفصول أسماء إنكارية، ومنها “لست أنا”، “لست هو”، “لست خالدا”.

شخصية يعقوب ليست حالة انفصامية أو مرضية، بل هي انعكاس للواقع المتشظي الذي يجعلها تتوزع بين الواقعي والغرائبي، بين الجني والإنسي والصالح والفاسد، حالة تتكرر في الحكاية كأنها لا تصوّر ذاتها بمقدار ما تتجسد في عدد من الأجساد التي تكشف عن ضعف الإنسان ووحشيته في آن معا.

تنقسم الرواية، الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” بعمّان، إلى أربعة أبواب ومجموعة من الفصول التي تشبه التقطيع السينمائي، بل هي تمثل سيناريو جاهزا لفيلم يعاين هواجس الإنسان العربي في عقدي الألفية الثالثة.

تعتبر هذه الرواية مجددة في شكلها، خاصة فيما يتعلق بالزمن والمكان فيها، حيث يبدوان فضفاضان متغيران في كل لحظة، لكن الكاتبة تقيدهما بإشارات تحدد لنا سياق كل حدث زمانيا ومكانيا، مع بعض الرمزية التي تشكل مع اختيار الأسماء والأحداث التاريخية مفاتيح السرد. سرد عجيب تخطه الجبرين متنقلة من راو إلى آخر بسلاسة، فمثلا في الفصل الثاني كان هناك أكثر من راو في نفس الفصل، فيأخذ كل راو منهم مساحة ليتحدث الجميع ونفهم القصة من أكثر من زاوية وأكثر من وجهة نظر واحدة.

ترتحل الرواية إلى أميركا وروسيا وبنغلادش والتيبت، وإلى أصقاع مختلفة من العالم العربي، من المغرب إلى اليمن، مرورا ببغداد ودمشق التي تتشابه فيها الوجوه والأوجاع، وتدفع الشخصيات إلى مستشفى الأمراض العقلية أو الانتحار.

وتستعير الروائية الجبرين خلال ذلك اللهجة الدارجة العراقية والمصرية، أو طريقة كلام العمال الآسيويين حيثما كان ضروريا لتقريب الحس الواقعي في السرد.

وتختزل المشهد الروائي والحكاية في أرض فلسطين ضمن حوار متلفز يتشابك فيه الواقع مع المتخيل، والحقيقي مع الوهمي، والقريب والبعيد، الحاضر والمستقبل، فيقول بطل الرواية “‘من هنا وهناك’، ترن كلمة خالد المساعد في ذهني، ‘من أنا، أين أنا، أعرف الكثير عن كل من حولي، وما حولي، ولا أعرفني'”.

وتختم بنهاية مفتوحة، “ماذا لو أعطيتك الإبرة التي تحب، ماذا لو استيقظت غير يعقوب، لن يكون هذا غريبا..”، وتختم “لم تنته بعد”.

يقول الكاتب عبدالله ثابت على الغلاف الأخير للرواية “تذهب بك هذه الرواية إلى أماكن كثيرة، وحالات أكثر تسحبك من شبح الموت واليتم إلى قفزات الفرح، من الأيام الهنية إلى اللوعة ومرارة الحنين، من هدأة السلم والحياة المخبأة إلى وحوش الحرب ورهبة الدم ووجوه الجثث، من ركن البيت والطمأنينة حتى آخر الشتات، ومن أرواح النساء المعذبة إلى تعاسة الرجال، هذا الحشد من التناقضات والهستيريا والضياع يعتمل كله في رأس واحدة، ورواية واحدة، اسمها غايكوب، كتبت بوجع ساخن، ونفس مجروحة ولغة شديدة القرب”.

يذكر أن مؤلفة الرواية من مواليد فبراير 1976 في مكة المكرمة، وحاصلة على الدكتوراه في التخطيط من بريطانيا.

14