السعودية الجديدة إلى أين؟

الثلاثاء 2017/11/07

لا أحد ينسى سيارة الوليد بن طلال المصنوعة من الذهب الخالص والمركونة على جانب الطريق في السعودية، ولكن إذا تكلمنا حينها سنعتبر أعداء للمملكة، ولا نعرف ماذا نقول الآن.

إشكالية تشبه إشكالية حسين كامل في العراق في التسعينات من القرن الماضي. إذا شتمته وهو وزير التصنيع العسكري يسوقونك إلى الإعدام، فهو يعيش مع بنت صدام حسين في بيت الرئيس وأنت تعيش مع أم عادل المسكينة التي تُقطّر الحصة التموينية لتكفي العائلة حتى نهاية الشهر. في النهاية انقلب حسين كامل على صدام حسين وصار شتمه مباحا، فأكثر العراقيون من ذلك حتى انتبهت السلطة ومنعت ذلك بالقول إنه كان “شهيد ساعة الغضب”.

أعتقد بأن أحداث السعودية اليوم تجعلنا نشعر بالمنطقية، فلا يمكن القيام بكل تلك التغييرات دون حدوث ردات فعل واعتقالات وتغيير مناصب، وإلا فإنها ستكون مثل مشاريع العراق كل يوم مشروع والوجوه نفسها. التغيير الحقيقي يعني وجوها جديدة.

المشكلة الأكبر هي هل هذه بداية أم نهاية؟ أقصد هل هناك تداعيات أخرى أم لا؟ يبدو الأمر وكأن السعودية أمام تحوّلات داخلية والسلطة القديمة تقاوم بلا شك. لعقود طويلة كانت الوهابية عقيدة الجيش والمخابرات السعودية فكيف سيتم تغيير كل ذلك؟ ولعقود طويلة كانت المملكة تعتمد المحاصصة والإقطاعيات بين العائلة الحاكمة.

لا بد من احتكاك وأزمات لتحقيق رؤية المملكة 2030 ومشاريع المستقبل الجديد كمدينة نيوم. نحن لا نتردد في دعم التغيير والوقوف مع الحاكم المتغلب لكن هذا لا يعني الامتناع عن الدهشة والتساؤل.

إن اعتقال أمراء بمنزلة متعب بن عبدالله والوليد بن طلال ووزراء سعوديين سابقين وحاليين وجنرالات ورجال أعمال كبار بوزن عالمي في ليلة واحدة على خلفية اتهامات بالفساد المالي لم يكن صدمة عادية، فما بالك إذا رافق هذه الأحداث استقالة رئيس حكومة لبنان سعد الحريري التي أعلنها من الرياض مع ما رافقها من لغة عنيفة تجاه حزب الله وإيران وحديث عن محاولة اغتيال الحريري. كما لو أنّ رئيس الحكومة قد لجأ إلى المملكة خوفا على حياته.

الأمير محمد بن سلمان يشعر بعتاب شديد للقادة السابقين. فمن أين سيبدأ الإصلاحات؟ من تحرير المرأة وتشجيع الفنون والترفيه وإبعاد الشباب عن التطرّف الديني، أم من مواجهة إيران عسكريا

وفي اليوم نفسه يأتي خبر حزين عن وفاة الأمير منصور بن مقرن، نائب أمير عسير، في حادث تحطم مروحية، في منطقة عسير. هذه أحداث كبيرة ومتسارعة إذا أضفنا إليها في الساعات نفسها إطلاق الحوثيين لصاروخ باليستي إيراني يستهدف مطار الملك خالد.

لا يمكن لأي كاتب مهما كانت إمكاناته ومصادره الخروج بتحليل سريع لهذه الأحداث الضخمة. لا بد من الانتظار لنعرف إلى أين تتجه هذه التطورات. هل نحن على حافة إعلان إصلاحات داخلية وسلام، أم نحن على حافة حرب خارجية إقليمية على عدو خارجي؟

إن غضب الأمير محمد بن سلمان على الفساد والتطرف واضح. أين كانت السعودية حتى صارت الصواريخ تسقط عليها من حدودها الجنوبية؟ وإيران سيطرت على العراق، والرئيس السوري بشار الأسد تمكّن من استعادة سلطانه في سوريا. أما في لبنان فالجيش اللبناني وحزب الله أصبحا جناحين لطائر واحد. هل كل هذه الهزائم العربية بسبب عدوانية إيران، أم سببها نوم الدول العربية في سبات عميق.

الأمير محمد بن سلمان يشعر بعتاب شديد للقادة السابقين. فمن أين سيبدأ الإصلاحات؟ من تحرير المرأة وتشجيع الفنون والترفيه وإبعاد الشباب عن التطرّف الديني، أم من مواجهة إيران عسكريا؟

لقد تمت مواجهة إيران بسوريا وهناك حرب في اليمن ما زالت مشتعلة فهل يمكن فتح جبهة جديدة؟ روسيا لم تسمح بإسقاط بشار الأسد فهل ستسمح بإسقاط نظام الملالي بطهران عسكريا؟

من وجهة نظر عراقية فإن السعودية قد تصرفت بغرابة في السنوات الماضية (من 2003 وحتى 2009) وكأن التمدد الإيراني مشكلة سنة العراق وليس مشكلتها. حتى وصلنا إلى عام 2010 وواجهنا مشاكل جديدة مثل الإخوان المسلمين والربيع العربي وداعش. ولا نعرف ماذا ستفعل السعودية الآن.

المدن والمصد السني العربي قد انهارا تماما سواء في سوريا أو في العراق. واعترافات حمد بن جاسم الأخيرة مثلا حين وصف سوريا بـ”الصيدة” جرّدت مسلحي سوريا من كل شرف أخلاقي. وماذا ستفعل القنابل حين تكون المعركة قد حُسِمَت أخلاقيا؟

سنة العراق مثلا لم يفهموا من العرب سوى الخذلان حتى اجتاحتهم داعش وهددت المنطقة بأسرها. كانت السعودية تتصرف وكأن بغداد غير موجودة على الخارطة، وكان البعض يردد “حوالينه ولا علينه”، حتى إن تصريحات مجلس التعاون تقول الحمد لله الدول تحترق من حولنا ونحن نعيش في أمن وأمان.

الذي أشعرهم بوجود بغداد ليس حيدر العبادي بل نوري المالكي بشراسته الطائفية في ولايته الثانية وظهور داعش عام 2014 ووصول النيران إلى المملكة. فقد قتل دواعش العراق قائد الحدود الشمالية السعودية العميد عودة البلوي في عملية انتحارية عام 2015 بمنطقة عرعر. عندها قررت السعودية مراجعة سياسة العزل تجاه بغداد.

سنة العراق بعد الهزائم المتكررة قبلوا بالأمر الواقع. فالحكم شيعي واليد العليا لإيران، لا مشكلة بالنسبة لهم اليوم بدليل تطوعهم في الحشد الشعبي. لا تستطيع المملكة إظهار عدم المبالاة بسنوات عصيبة مرت على سنة العراق ثم فجأة تقرع طبول الحرب. على سنة العراق الهدوء لنفهم ما يجري من حولنا. أنتم تريدون بناء مدينة نيوم التي تتشارك فيها الريبوتات حياتها مع البشر في مدينة عصرية سياراتها وطائراتها تتحرك بالكومبيوترات، ونحن نعيش في مخيمات بائسة بعد هدم مدننا وبيوتنا القديمة.

لقد كانت هناك مرحلة مشابهة في أواخر حياة الملك عبدالله بن عبدالعزيز فقدنا فيها الفهم للسياسة السعودية، ثم استعدناه بمجيء الملك سلمان بن عبدالعزيز وانطلاق عاصفة الحزم. ولكن يبدو أننا بسبب زخم الأحداث المتسارعة اليوم نفقد الفهم مرة أخرى وننتظر حتى تشرح لنا المملكة إلى أين تتجه كدولة عربية مركزية وإلى أين ستأخذ معها العرب جميعا.

كاتب عراقي

8