السعودية الجديدة من خلال بيان الخارجية

الاثنين 2016/01/25

من يريد التأكّد من أن هناك شيئا اسمه المملكة العربية السعودية الجديدة، يستطيع التمعّن في قراءة البيان الذي صدر قبل أيّام عن وزارة الخارجية في الرياض في شأن “توضيح السياسات العدوانية لإيران على مدى خمسة وثلاثين عاما”.

للمرّة الأولى تذهب السعودية إلى توصيف دقيق مدعوم بالوقائع والتواريخ للنشاط الإرهابي الإيراني منذ الثورة التي قادها آية الله الخميني في العام 1979. كان البيان طويلا ما يكفي للإحاطة بقضايا عدّة. تضمّن 58 فقرة، تتعلّق كلّ منها بحادث إرهابي معيّن.

لم يقتصر الأمر على العمليات الإرهابية التي استهدفت المملكة العربية السعودية والتي كانت إيران وراءها. كان واضحا أنّ هناك إلماما سعوديا بالتفاصيل الدقيقة التي أحاطت بظروف كلّ عملية إرهابية، مع الإشارة إلى أنّ “المملكة مارست سياسة ضبط النفس طوال هذه الفترة، على الرغم من معاناتها المستمرة مع دول المنطقة والعالم من السياسات العدوانية الإيرانية”.

ما نشرته الخارجية السعودية كان “ورقة حقائق” بالفعل. الحقائق مدعومة بالأرقام والتواريخ والأسماء مع شرح لموقف المملكة من البرنامج النووي الإيراني، ذلك أن الرياض لم تعترض على هذا البرنامج في حال كان سلميا، ولم تعارض الاتفاق في شأن الملف النووي الإيراني الذي قبلت به الولايات المتحدة. كلّ ما في الأمر أن السعودية “أيّدت علنا أي اتفاق يمنع حصول إيران على السلاح النووي ويشمل آلية تفتيش صارمة ودائمة مع إمكان إعادة العقوبات في حال انتهاك إيران لهذا الاتفاق، وهو الأمر الذي أكّدت عليه الولايات المتحدة”.

في النهاية، يبدو مشروعا أن تطرح السعودية وكلّ دول المنطقة سؤالا في غاية البساطة: هل إيران دولة طبيعية تريد العيش بسلام وأمان مع جيرانها، أم تعتبر نفسها قوّة إقليمية ذات مشروع توسّعي مكشوف؟

أجاب بيان الخارجية السعودية عن السؤال بأنّ “على إيران أن تحدّد ما إذا كانت ثورة تعيش حالا من الفوضى وتضرب عرض الحائط بالقوانين الدولية، أو أنّها دولة تحترم الاتفاقات والمعاهدات الدولية ومبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى”.

ليس سرّا أن بيان الخارجية السعودية لا يستهدف إيران فقط. إنّه يذكّر الإدارة الأميركية بالعمليات الإرهابية التي استهدفت مواطني الولايات المتحدة من عسكريين ومدنيين. هل في واشنطن من يريد أن يتذكّر من جهة، وأن يستوعب أن الملف النووي الإيراني لا يختزل كلّ مشاكل المنطقة من جهة أخرى؟

يُفترض في الإدارة الأميركية أن تطرح على نفسها السؤال نفسه الذي طرحته دول الخليج: هل تغيّر شيء في إيران بعد التوصل إلى اتفاق بينها وبين مجموعة الخمسة زائدا واحدا في شأن الملفّ النووي؟

من الواضح أن الإدارة الأميركية في عالم آخر. لذلك كان لا بدّ من تذكيرها بنسف السفارة الأميركية في بيروت في العام 1983. قتل في العملية الإرهابية التي تقف وراءها إيران عدد كبير من الأميركيين. ما لم تذكره وزارة الخارجية أن بين الذين قتلوا كبار ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إي) في بلدان الشرق الأوسط. على رأس هؤلاء كان بوب ايمز المسؤول، وقتذاك، عن المنطقة في الوكالة والذي سبق له أن عمل في إيران وكان أوّل من نبّهها إلى احتمال حصول هجوم عراقي عليها في العام 1980. هذا على الأقل ما أورده كاي بيرد في كتابه “الجاسوس الطيّب” الذي يروي قصة بوب ايمز الذي أقام أول علاقة بين الإدارة الأميركية ومنظمة التحرير الفلسطينية عن طريق علي حسن سلامة (أبو حسن).

في ظلّ السياسة الجديدة للسعودية، لم يعد مجال للتستر على الحقائق، بما في ذلك تورّط إيران في تفجير الخبر في العام 1996 وعلاقتها بـ”القاعدة” وإيوائها قياديين من هذا التنظيم الإرهابي.

لم يعد من مجال لنصف حقائق ومراعاة لهذا الطرف أو ذاك، في وقت تتعرّض السعودية في عهد الملك سلمان لهجمات من جهات مختلفة على رأسها إيران.

باختصار، هناك سياسة سعودية مختلفة بدأت تتبلور منذ حصول التدخل في البحرين لوضع حدّ للأطماع الإيرانية. أخذت هذه السياسة بعدا جديدا عندما وقفت المملكة إلى جانب الثورة الشعبية في مصر، وهي الثورة التي أخرجت الإخوان المسلمين من السلطة في يونيو 2013. لم يكن من مجال لحلول وسط عندما بدأت إيران تتسلل إلى مصر عن طريق الإخوان المسلمين.

لكنّ نقطة التحوّل الحقيقية كانت في أواخر آذار ـ مارس الماضي في اليمن. اتخذ الملك سلمان والأمير محمّد بن سلمان وليّ وليّ العهد قرارا بالتدخل لوضع حدّ للنشاط الإيراني التوسّعي في اليمن. ما نشهده اليوم تابع لـ”عاصفة الحزم”.

كان قطع العلاقات مع إيران بعد إحراق السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد حلقة في المسلسل الذي بدأ بـ”عاصفة الحزم” والذي لا يمكن أن ينتهي سوى بتحقيق الهدف المطلوب في اليمن بغض النظر عن التضحيات. بكلام أوضح، لا يمكن للسعودية ودول الخليج القبول بأن يكون اليمن مستعمرة إيرانية، كما حال لبنان حاليا.

كان بيان الخارجية السعودية، الذي ترافق مع مقال نشره الوزير عادل الجبير في “نيويورك تايمز” ردّا على وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف، تتويجا لمرحلة جديدة لا تقبل فيها الرياض أي تردّد من أي نوع. من إيجابيات المقال الذي نشره ظريف أنّه كشف أن ضحكة الوزير الإيراني ليست سوى قناع يغطي جانبا من مشروع توسّعي ذي طابع عنصري لا أكثر.

تتسم هذه المرحلة الجديدة بالوضوح والإقدام والجرأة. الأمر لم يعد مقتصرا على تسمية الأشياء بأسمائها والعمل على استعادة اليمن فحسب، بل يشمل أيضا سياسة اقتصادية تتلاءم والمرحلة وإصلاحات تأخذ في الاعتبار أن الحرب على الإرهاب بكل أشكاله، الشيعية والسنّية، ستكون حربا طويلة، بل طويلة جدا.

تدور هذه الحرب على الإرهاب في ظلّ الهبوط، الذي لا سابق له، لأسعار النفط جعل الاقتصاد الروسي يترنّح، وفي ظلّ معطيات دولية تفرض عدم الرهان بأي شكل على سياسة أميركية تتسم بالحد الأدنى من الواقعية والفهم لما يدور في الشرق الأوسط.

هل من دليل على مدى السذاجة الأميركية، أو الانحياز إلى طهران، أكثر من التغاضي عن الجرائم التي ترتكبها الميليشيات المذهبية التابعة لإيران في المناطق العربية ذات الأكثرية السنّية في العراق أو في سوريا؟

لماذا ترفض الإدارة الأميركية سماع شيء عما يدور في محافظة ديالى العراقية أو بلدة مضايا السورية على سبيل المثال وليس الحصر؟

نحن أمام شرق أوسط جديد، ولكن أمام السعودية الجديدة أيضا. الأكيد أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية في الرياض لن يكون الأوّل والأخير من نوعه.

إعلامي لبناني

8