السعودية الحائرة وأميركا المنسحبة

الجمعة 2013/11/08

يعود رسوخ العلاقات الأميركية السعودية إلى الأربعينات، حينما ورثت أميركا بريطانيا في منطقة الخليج، ولم تتزحزح في العقود التالية رغم أزمة 1973 ومسألة النفط، وكانت كافة ملفات المنطقة تمر عبر التوافق مع السياسة الأميركية في المنطقة، ولاسيما السعودية ومصر وسوريا، الثلاثي الذي لا يخرق تلك السياسة.

اختلفت أميركا مع سوريا، بخصوص إيران، ووقفت معها السعودية، بل هي من كان يطلب تلك الحماية لها وللخليج بأكمله، خشية التمدد الإيراني، وبقيت سوريا توثّق علاقتها مع إيران منذ ثورتها 1979 ولم تتغير، نكاية ببعث العراق، ولِما يعطيها بعداً إقليمياً ضد السعودية وبمواجهة كل من تركيا وإسرائيل، وهامشاً للمناورة مع أميركا. وفي هذا لم يكن الخلاف يأخذ طابعاً حاداً بين سوريا والسعودية، ودائماً كان تجاوز الخلافات ممكناً، سيما وأن سوريا مشمولة بالسياسة الأميركية كذلك.

مع الثورة السورية، اختلف الأمر، رغم أن السعودية لم تقف إلى جانبها مباشرة، وأخذت وقتاً طويلاً لتدعمها لاحقاً دعماً مشروطاً، وبقي الأمر كذلك ولا يزال، وهذا من أبسط أبجديات السياسة. مصلحة السعودية كمنت في تصفية حساباتها مع النظام السوري، والخلاص من نظامِ لطالما ذهب نحو إيران وروسيا واستفاد من أميركا، إذ أن السعودية لعبت دوراً في تعزيز وجوده حينما نفذ انقلابه في السبعينات، وبقيت تدعمه مالياً. الثورة خلقت بيئة خصبة للسعودية ولسواها، لتتخلص من نظام لا يهتم إلا لمصالحه الخاصة.

إذن جاءت لحظة التاريخ، لتقدم النظام السوري على طاولة التفاوض، فقد وقع أخيراً؛ ووجدت معارضة سورية تبتزّ كل المعارضات الانتهازية سوءاً وتبعية، وتتوهم خلاصاً من الخارج، وبعد أن ظلّ ملف سوريا بأيدي قطر وتركيا قرابة العامين، ولم يشهد تقدماً، هنا تدخلت السعودية بدعم أميركي، وفعلاً انتقل الملف السوري للسعودية، سيما وأن قطر انخرطت بما يشبه الرؤية العقائدية بدعمها لتنظم الإخوان، بينما السعودية لا تتوافق مع هذه الرؤية، وحتى أميركا لا تقبل به في سوريا، فالنظام القادم يراد له أن يكون نظاماً مدنياً، وتعددياً، لا إسلامياً إخوانياً.

ولكن أميركا مكبّلة بأزماتها الداخلية، وتريد منع تشكيل محور روسي صيني في المحيط الهادي وشرق آسيا، فهناك مركز منافستها الحقيقي، وليس في الشرق؛ الشرق الذي لن يستكين لا لروسيا ولا لإيران ولا لتركيا، وكلها ستتصارع مع بعضها من أجل الهيمنة عليه، وبالتالي لا يشكل تخفيف الاهتمام الأميركي بالمنطقة، انسحابا كاملاً منها ولا يشكل خطراً على الأميركان، ما دامت المنطقة تشهد ثورات بلا أفق ديمقراطي وشعبي، وتتحارب دولها الإقليمية تحت ستار التوافقات؛ إذن وفق السياسة الأميركية، على السعودية ألا تغضب كثيراً وأن تتفهم المصالح الأميركية والخطر القادم من المحور الجديد؛ أي محور روسيا والصين ودول أخرى ولابد من تفكيكه.

السعودية قدمت إلى أميركا الكثير من خلال صفقات السلاح، والتوافق بخصوص السياسات النفطية، وساهمت معها في حملاتها ضد الإرهاب، وبالتالي تشعر السعودية بغبنٍ حقيقيٍ وبظلم فادح، وأن أميركا بانفتاحها على إيران، وبصمتها على النظام المخاصم للسعودية لا تعي مصالحها، وبالتأكيد ستضرّ بتخفيف حضورها في المنطقة، المصالح السعودية مباشرة.

السعودية لعبت دورا دبلوماسياً وسياسياً في محاصرة النظام السوري بعد أن تطورت الثورة، راغبة بتحجيمه وإسقاطه، وقدمت الإسهامات الطويلة عن ذلك من منابر الأمم المتحدة، ولكن ضعف الدور الأميركي، وتوكيل الروس بملف سوريا، كان يُفشل كل مساعي السعودية ومساعي المعارضة السورية. ولكن أميركا تتحرك لخدمة مصالحها، وتنطلق من حيثية أن التوافق مع الروس هو الأساس، أي باعت سوريا لروسيا وأغرقتها بالمأساة السورية، وهو الهدف الحقيقي؛ وفعلاً دخلت روسيا المصيدة تماماً، ولكن ذلك ورغم أنّه يحقق المصلحة السعودية، فالنظام يضعف بالتدريج ولابد أن سير الأحداث سيؤدي إلى تفككه في النهاية. فإن السعودية تستهدف إسقاطه وتغييره بنظام بديل، يكسر الحلف بين إيران وحزب الله؛ هذا الأمر لم يجد هوى أميركياً، فأميركا مثقلة بأزماتها وهناك خطر عالمي حقيقي على سيطرتها العولمية، وبالتالي بدأت الخلافات تظهر بين أميركا والسعودية، وتفجرت جزئياً عام 2012 في تونس في اجتماع لأصدقاء سوريا، ولاحقاً كانت تظهر بوضوح مع بدء العد لمؤتمر جنيف، وكلما تتالت تصريحات إعلامية تشير إلى إعادة تأهيل الأسد للتوافق مع المعارضة من جديد.

إذن كيري ليس بجعبته جديد عما كان يقوله من قبل، وأن أميركا ستخفف من سيطرتها على المنطقة، وعلى السعودية تفهم ذلك، ولكن هل بمقدور السعودية الحائرة تقبل موقف أميركا المنسحبة؟ لا نعلم. وقد تعيد السعودية النظر بكل سياساتها، ولاسيما إزاء روسيا والصين، وهو ما تُدفع إليه دفعاً، ولكن ذلك لن يكون قبل وضع نهاية للثورة السورية.


كاتب سوري

9