السعودية بين إيران وإسرائيل: الجغرافيا محدد لهوية العدو الرئيسي

إسرائيل وإيران دولتان تتشابهان في النظرة الاستعلائية العنصرية ضد العرب والذرائعية الدينية، وهاجس الخطر في محيط مختلف عند إسرائيل وهاجس التمدد للمياه الدافئة عند إيران. وللدولتين موقع مريب في المجتمع الدولي، وما يفعلانه في الشرق الأوسط يعزز التطرف ويضعف هيبة الدولة العربية إن لم يلغها.
الأربعاء 2015/06/10
ممارسات إسرائيل وإيران تعزز التطرف في الشرق الأوسط

حدثان قدمتهما الأيام الماضية أثارا جدلا ملحوظا، الأول إعلان مؤتمر هرتسيليا عن نتائج استطلاع تم بالتعاون مع جامعة فيسكونسين – ميلفيكي الأميركية أوضحت بأن 53 بالمئة من السعوديين يرون في إيران عدوهم الأول والأساسي، بينما رأى 22 بالمئة أن تنظيم داعش هو ذلك العدو، في حين كانت نسبة إسرائيل في هذه المقاربة 18 بالمئة فقط.

وكشفت العينة التي تجاوزت 500 فرد تم استطلاع رأيها عبر الهاتف بأن 85 بالمئة من السعوديين يؤيدون المبادرة العربية للسلام، وذهب 25 بالمئة من السعوديين إلى المطالبة بتحالف السعودية وإسرائيل في وجه إيران.

الحدث الثاني، هو لقاء اللواء المتقاعد د. أنور ماجد عشقي (رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية) بدوري غولد (رئيس مركز القدس للدراسات السياسية، والمرشح لمنصب مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية) على هامش مؤتمر بحثي لمجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، والحقيقة أن هذا اللقاء تم تحميله فوق طاقته، فهو ليس لقاء سياسيا ولا ثنائيا، كما أن عشقي لا يحمل أي صفة رسمية حاليا ولم يدع تمثيل القيادة السياسية أو تمثيل المواطنين، وكلمته كانت واضحة في تبني المبادرة العربية للسلام وصون الحقوق الفلسطينية. وما جرى سبق رؤيته في مشاهد مشابهة جمعت الأمير تركي الفيصل في بروكسل مع عاموس يدلين، رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية الأسبق، وكذلك مصافحة تركي الفيصل لنائب وزير خارجية إسرائيل داني أيالون خلال مؤتمر بحثي، ولم يتهم الفيصل بالخيانة كما جرى مع عشقي، ولم يتم تصوير تلك المشاهد على أنها فاتحة اتصالات سياسية بين السعودية وإسرائيل رغم أن الفيصل أقرب للقيادة السياسية من عشقي بسبب انتمائه للأسرة الملكية.

وكلمة عشقي لم تقدم شيئا مختلفا عن الخطاب السعودي الرسمي في عرض “الجهود التآمرية الإيرانية في الشرق الأوسط”، وارتكاب أعمال الأرهاب بـ”إلهام إيراني” في السعودية والعالم العربي، ودعا عشقي لتشكيل قوة عربية مسلحة تقف في مواجهة المساعي الإيرانية في المناطق المختلفة. وقال عشقي نصا في تصريح توضيحي ملحق “إيران جارة، لكن سياساتها هي العدو الحقيقي للمملكة”.

إسرائيل احتاجت خمسين عاما حتى تتأكد من استحالة حلمها التاريخي بدولة تمتد من النيل إلى الفرات

إننا أمام حدثين يتمتعان بوجه واحد، وهو النظرة السعودية بين إيران وإسرائيل، وقد لفتني في أحد برامج قناة (المنار) الناطقة باسم ما يسمى بـ(حزب الله) الإيراني في لبنان، تلقف استطلاع هرتسيليا للإشارة إلى مؤامرة كونية يتجاوز عمرها عقود السنوات هدفها شيطنة إيران لمصلحة إسرائيل والتحريض الطائفي، فبدا طريفا لوم الضحية وتطييب الجاني.

لقد سئلت مرارا، لماذا يظهر اسم إيران في الخطاب السعودي، وكذلك الخليجي، بسلبية، أكثر من إسرائيل، والإجابة باختصار: إنها الجغرافيا يا عزيزي.

في لبنان مثلا، تحضر سوريا البعثية كاسم أول في خانة العداوة عند الأحزاب المسيحية، على عكس الأحزاب الجنوبية أيا كانت ملتها التي رفعت راية العداوة ضد إسرائيل، هذه المفارقة لا تعني أن شيعة لبنان أكثر وطنية من المسيحيين، ﻷننا إذا نظرنا إلى جيش لبنان الجنوبي التابع عضويا للجيش الإسرائيلي، 70 بالمئة من عناصره شيعة، القضية ببساطة هي أن المسيحيين على تماس سلبي دائم مع سوريا البعثية بحكم الحدود، وأن الجنوبيين على تماس سلبي دائم مع إسرائيل بحكم الحدود أيضا، ومن الطبيعي أن تصرخ كل فئة، في ظل غياب المواطنة، باتجاه موطن الضرر.

إذن، كان عامل الجغرافيا في لبنان هو القاسم الأساس بين فئتين اختلفتا على هوية العدو الأول والحقيقي، وكانت لعنة لبنان الجغرافية أن وضعته بين نظامين من أسوأ أنظمة العالم: إسرائيل وسوريا البعث. فصب نصف اللبنانيين غضبهم على البعث السوري وصب النصف الآخر غضبه على إسرائيل.

وما ينطبق على لبنان ينطبق على غيره، فدول الخليج، وعلى رأسها السعودية، لم تشهد تصادما مباشرا مع الإسرائيليين، فالحروب العربية الإسرائيلية انحصر مسرحها في فلسطين ومصر والأردن وسوريا ولبنان، ورغم الدعم السياسي والاقتصادي الذي قدمته دول الخليج لدول الطوق، إلا أننا لا يمكن أن نصف ذلك باحتكاك سلبي مباشر بين الطرفين.

في المقابل، فالصفحات الدامية بين إيران والخليجيين لا تنتهي، بدءا من احتلال الجزر الإماراتية التابعة لمنطقة الشارقة عام 1971 في عهد الشاه، ثم مبدأ تصدير الثورة الإسلامية الذي أعلنه الخميني عام 1979 الذي ساهم في تأجيج حرب استمرت لسنوات بين العراق وإيران، ثم التفجيرات الإرهابية التي استهدفت الكويت وغيرها في الثمانينات الميلادية، وتفجير الخبر في أواسط التسعينات في المملكة، ثم ما جرى في الألفية الجديدة من اقتحام إيران للمدى الخليجي الحيوي، العراق واليمن، بل واستهدافها لدول الخليج نفسها بخلايا التجسس والإرهاب، ومطامعها المعروفة في البحرين، وتطفلها على الفضاء العربي في سوريا وفلسطين ولبنان، وما نجم عن كل ذلك من فتن طائفية وصراعات أهلية واستهداف للدول لصالح الميليشيات، وغير ذلك كثير ومنه مشروع التشييع الذي تكشفت نشاطاته في أكثر من دولة.

ما يدعو للتفاؤل هو مشروع القوات العربية المشتركة ولعل عملية عاصفة الحزم العسكرية مقدمة لسياسة حاسمة تمهد للغد المشرق

بعد كل ذلك، لا يمكن أن نلوم السعوديين أو دول الخليج على نظرتها السلبية الحادة إزاء إيران، ولم يتقدم الإيرانيون على الإسرائيليين في مقام العداوة إلا في العشر سنوات الأخيرة على الرغم من الخلاف الطائفي السابق لذلك بمئات السنين، وهذا بيدها لا بيد غيرها.

مشكلة البعض، حصر مقام العداوة ﻹسرائيل بلا مبرر، فالدول تعادي كل من يعاديها أو يستهدف مصالحها حتى لو كان شريك الدين أو اللغة، فإذا كانت تصرفات إيران مماثلة لتصرفات إسرائيل فهما يستحقان نفس المكانة، وإذا رأى البعض، بحكم التماس المباشر، أن جرائم إيران تجاوزت جرائم إسرائيل، فلا شك بأن نظرتهم السلبية تجاه إيران ستتعاظم، لا يمكن أن تطالب عراقيا قام جندي من الحرس الثوري الإيراني بقتل ابنه بأن يقدّم معاداته لإسرائيل أنها قتلت أسرة فلسطينية، ولا يمكن أن تطالب أسرة سعودية فقدت عائلها بيد داعش أن لا تفكر في غير إسرائيل.

إنني أرى تماما وأعرف جيدا ما تقترفه إسرائيل في فلسطين والجولان، لكنني في الوقت نفسه، بحكم الجغرافيا، أعاني مما تقترفه إيران في العراق وسوريا واليمن وفلسطين ولبنان، وألمس بشكل مباشر تداعيات أطماعها بدول الخليج، بل وكأنني أرى إيران بما تفعله تجمل صورة إسرائيل وتخدمها موضوعيا.

هل نظرية التحالف الخليجي الإسرائيلي في وجه إيران ممكنة؟ هذا التساؤل ما كان ليطرح لولا فشل السؤال المعاكس، نظرية التحالف العربي الإيراني في وجه إسرائيل.

إننا أمام دولتين تتشابهان في الخصائص: النظرة الاستعلائية العنصرية ضد العرب، الذرائعية الدينية، هاجس الخطر في محيط مختلف عند إسرائيل وهاجس التمدد للمياه الدافئة عند إيران. وللدولتين موقع مريب في المجتمع الدولي، وما يفعلانه في الشرق الأوسط يعزز التطرف ويضعف هيبة الدولة العربية إن لم يلغها.

في السياسة ليس هناك مستحيل، وليس هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، ومعايير الصداقة والعداوة تحددها السلوكيات والمصالح المشتركة وعوامل الجغرافيا التي لا يمكن تبديلها وعوامل الضرورة ذات الحضور المؤقت الذي لا مفر منه.

لم تتقدم إيران على إسرائيل في مقام العداوة إلا في السنوات الأخيرة رغم الخلاف الطائفي السابق لذلك بمئات السنين

وما يدعو للتفاؤل هو مشروع القوات العربية المشتركة الذي يغني عن هذه الثنائيات الحادة، ولعل عملية عاصفة الحزم العسكرية مقدمة لسياسة حاسمة تمهد للغد المشرق.

إننا نعيش زمن الحروب الأهلية العربية، والحرب الأهلية اللبنانية مثال واضح لما يمكن أن يجري، فمن سيتعرض لتهديد الوجود لن يتردد في التحالف مع الشياطين كانت إسرائيلية أو إيرانية أو حتى داعشية، وحينها سيكون السؤال الأخلاقي نوعا من الترف الأبله. من ينسى هذه المشاهد في حرب لبنان: أهل الجنوب يستقبلون الجيش الإسرائيلي بالورود نكاية بمنظمة التحرير الفلسطينية، والجبهة اللبنانية تستدعي شارون لإنقاذ لبنان كما استدعت قبله حافظ الأسد لإنقاذ المسيحيين، والجبهة الوطنية لا تتردد في التحالف مع الأجنبي كان سوريا أو فلسطينيا أو إسرائيليا لإلغاء بعض أخوة الوطن، وربما نقضا لمفهوم الوطن نفسه.

منذ طرحت إسرائيل مشروع الجدار العازل، أعلنت نهاية حلمها التاريخي بدولة تمتد من النيل إلى الفرات، احتاجت إسرائيل لخمسين عاما حتى تتأكد من استحالة حلمها. والآن إيران هي الأخرى تجرب حلمها الإمبراطوري المحكوم عليه بالفشل بسبب الطائفة والعجمة، وكما أدت تضحيات الفلسطينيين إلى إلغاء حلم إسرائيل الكبرى، لن يلغي مشروع الإمبراطورية الفارسية سوى العرب أنفسهم، والأحمق وحده هو من يظن أن غيره سيدافع عنه مجانا أو سيحارب معه بلا مقابل، ومن هذا المنظور، أي تبادل المنفعة أو احتكارها، يمكن قراءة حاضرنا المخضب بالدم ومستقبلنا الموشح بالسواد.

7