السعودية تبدأ أكبر خطة تقشفية في الإدارات الحكومية

يظهر قرار خفض أجور الوزراء بواقع الخمس عزم السعودية على إشراك كبار مسؤولين الدولة في تحمل أعباء التقشف في مسعى لحث المواطنين على قبول الإجراءات التي ستؤدي إلى تراجع مستويات المعيشة في عصر النفط الرخيص.
الأربعاء 2016/09/28
نهاية زمن الرفاه

الرياض – تدخل السعودية مطلع الشهر المقبل مرحلة جديدة من التقشف، بموجب القرارات التي أصدرها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز مطلع الأسبوع الحالي وشملت الوزراء وأعضاء مجلس الشورى وخفض مكافآت العاملين في القطاع الحكومي من أجل تقليص الإنفاق.

وتأتي القرارات التي ستسري على المواطنين والوافدين العاملين في القطاع العام، قبيل إصدار كبير لسندات سيادية في علامة على أن الرياض ملتزمة بضبط المالية العامة.

ويقول الاقتصادي فضل البوعينين “اللافت في القرارات تركيزها على ذوي الأجور المرتفعة من الوزراء وأعضاء مجلس الشورى حيث طالهم خفض الرواتب والمزايا لأول مرة وعلى العكس من ذلك نجد أن مراجعة الرواتب والأجور لعامة الموظفين ارتبطت بوقف بدل النقل في الإجازات ووقف العلاوات”. وتشير ردود الفعل الأولية إلى استعداد للتكيف مع الظروف الصعبة التي يفرضها هبوط أسعار النفط على اقتصاد أكبر بلد مصدر للخام في العالم.

مازن السديري: البدلات والعلاوات كانت تفتح الباب للفساد وتتسبب في الكثير من الهدر

ويتوقع الشرطي السعودي “أبوخالد” انخفاض دخله إلى نحو 1590 دولارا من نحو 1867 دولارا قبل صدور القرارات، لكنه قال “يجب أن نقف مع الوطن في الظروف العصيبة… سنحاول تكييف أوضاعنا حسب الراتب الأساسي وسنضطر لخفض البعض من المصروفات”.

لكن سعوديين آخرين أبدوا استياءهم على موقع تويتر، حيث قال حيدر “هذه بداية النهاية” في حين قال حساب باسم الشيخة مضاوي إن ذلك يعني “زيادة في الفقر”.

وتضررت إيرادات السعودية جراء هبوط أسعار الخام منذ 2014 إلى ما دون 50 دولارا للبرميل. وسجلت عجزا في الموازنة بلغ مستوى قياسيا عند 98 مليار دولار العام الماضي. وحتى قبل هبوط أسعار النفط كان الاقتصاديون يقولون إن السياسة المالية والهيكل الاقتصادي للبلاد لا يتمتعان بالاستدامة لكن هبوط إيرادات النفط جعل تبني الحكومة لعدد من الإصلاحات ضرورة ملحة من أجل دعم نشاط القطاع الخاص وتوفير الوظائف للمواطنين.

ودأب المسؤولون على التحذير من عدم إمكانية الاستمرار في غياب الضرائب وكبر حجم القطاع العام ودعم الدولة لأسعار الوقود والطاقة لكن مع ذلك ظل المواطنون يتعاملون مع تلك الأمور على أنها حق مكتسب في ظل الإنتاج الوفير من النفط السعودي.

ويقول اقتصاديون إن خفض رواتب الوزراء ومن في مرتبتهم قد لا يحقق وفرا كبيرا في حد ذاته لكنه يهدف بصورة واضحة إلى درء الغضب الشعبي عبر استهداف من هم في قمة الهرم الاجتماعي.

ولم يطرأ تغير يذكر على أسواق العملات وعقود التأمين على الديون وأسواق الدين العالمية جراء القرارات. لكن الانطباع الأولي لأسواق الأسهم الإقليمية كان سلبيا مع توقع المتعاملين أن يؤدي هذا الخفض إلى تراجع إنفاق المستهلكين. وهبط المؤشر السعودي 3.8 بالمئة بنهاية تعاملات أمس وسط هبوط جماعي للأسهم.

مونيكا مالك: الرسالة قوية وتؤكد أنه لا شيء خارج حدود الإصلاحات المالية المحتملة

وأكد مازن السديري رئيس الأبحاث لدى الاستثمار كابيتال أن “البعض من البدلات والعلاوات كانت تفتح الباب للفساد وتتسبب في الكثير من الهدر… القرارات تهدف إلى ترشيد الإنفاق وإعادة كفاءته لكن من الضروري دعم نمو القطاع الخاص وخلق المزيد من الوظائف”.

ويقول نواف العتيبي البالغ (42 عاما) ويعمل بالقوات الجوية إن خفض البدلات والعلاوات سيخفف الضغوط الاقتصادية طويلة الأجل وسيساعد على تحقيق المزيد من الإصلاحات. ويضيف “تمثل هذه البدلات نحو 20 إلى 30 بالمئة من دخلي ولهذا سأضطر إلى خفض النفقات وربما تتأجل البعض من الخطط المستقبلية لكن بشكل رئيسي سأخفض البعض من النفقات اليومية على الأسرة والأبناء وأشياء من هذا القبيل”.

من وجهة النظر الدولية ينظر الاقتصاديون للقرارات على أنها محاولة لإيصال رسالة مفادها أن الحكومة جادة في معالجة عجز الموازنة. ويقول أبوستولوس بانتيس رئيس قسم أبحاث ائتمان الشركات بالأسواق الناشئة لدى كومرتس بنك إن خفض الرواتب والمزايا “هي محاولة لإرسال إشارة إلى المستثمرين بأن الحكومة جادة بشأن الإصلاحات وإنها على استعداد للتعامل مع الأمور ذات الحساسية السياسية”.

ويضيف أن “الحكومة تحاول أن تبعث إشارة إلى المواطنين بأن عليهم ربط الأحزمة وأن هذا الإجراء سيبدأ من القمة”.

وتقول مونيكا مالك كبيرة الخبراء الاقتصاديين لدى بنك أبوظبي التجاري إن من المقدر أن تحقق هذه الإجراءات وفرا أقل من 1.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكنها أضافت “اعتقد أن الرسالة أقوى من ذلك. إنه لا شيء خارج حدود الإصلاحات المالية المحتملة وأن هناك عزما متواصلا لخفض عجز الموازنة” مشيرة إلى أن ذلك يأتي بصورة خاصة قبل الإصدار المرتقب لسندات دولية ستصدرها الرياض.

ومن المتوقع الإعلان عن إصدار السندات السيادية السعودية في أكتوبر ويقدر مصرفيون أن تبلغ قيمتها عشرة مليارات دولار على الأقل.

11