السعودية تتأقلم مع أسعار النفط وليس العالم من يتأقلم مع أسعار نفط السعودية

غياب الدلائل المبشرة بانتعاش فوري يرجح زيادة المملكة لإنتاجها النفطي إلى جانب روسيا لاستعادة حصتها في السوق تدريجيا.
السبت 2020/05/23
خيارات سعودية ناجعة لمواجهة أزمة أسعار النفط

مازالت أسواق النفط متأثرة بتداعيات أزمة كورونا، ولا تظهر في الأفق بوادر تحسن مرتقب، حيث انهار الطلب على النفط في ظل التباطؤ الاقتصادي بسبب تفشي المرض، لينتهي بتصعيد بين روسيا والسعودية. هدأ التصعيد لكن ارتداداته، التي تضاعفها أزمة كورونا مستمرة، وستكون السعودية في قلب هذه التأثيرات، حيث يرجح الخبراء أن يدفع الوضع الراهن الرياض للقبول بالأسعار التي يفرضها السوق، وهو ما بدأت بوادره تظهر مع تدابير التقشف الجديدة التي أعلنت عنها المملكة.

لندن - مع تراجع الطلب على النفط بسبب إجراءات الإغلاق المنجرّة عن انتشار فايروس كورونا المستجد، من المرجّح أن تُفضي التداعيات الاقتصادية إلى قبول السعودية بالأسعار التي يفرضها السوق، حيث تدل تدابير التقشف الجديدة على أن الرياض تدرك أنها ستحتاج في النهاية إلى التأقلم مع أسعار النفط العالمية بدلا من أن يتأقلم العالم مع أسعار تحددها هي.

ومع غياب الدلائل التي تبشّر بانتعاش فوري في المستقبل القريب، من المرجح أن تختار السعودية زيادة إنتاج النفط جنبا إلى جنب مع روسيا حتى تنجح في استعادة حصتها في السوق تدريجيا قبل أن تنتقل إلى خطط تهدف إلى توسيعها، وهو ما يختلف عن استراتيجياتها المعتادة المتمثلة في خفض الإنتاج لفرض البيع بأسعار أعلى. لكن هذا سيتطلب تعديل نسق إنتاج أوبك+ الحالي.

تشير حدّة إجراءات التقشّف التي أعلنت عنها السعودية في 10 مايو إلى أنها تفتقر إلى الثقة في قدرة أوبك+ على دعم الأسعار بمجرد عودة التوازن إلى السوق. ولم يلـمح وزير المالية السعودي محمد الجدعان إلى أن البلاد تنوي التراجع عن تدابير التقشف بمجرد انتهاء أزمة كوفيد – 19، مما يشير إلى أن الرياض ليست متأكدة من انتعاش سوق النفط العالمية من جديد والعودة إلى مستوياتها السابقة.

ويعدّ هذا تحولا كبيرا عن نبرة الرياض المعتادة في تصريحاتها وقراراتها العامة حتى منتصف سنة 2019، عندما أصبح من الواضح أن التنافس في الإنتاج من خارج أوبك يمكن أن يصعّب الدفاع عن سعر خام برنت بسعر 60 دولارا للبرميل.

ففي سنة 2018، عبّر المسؤولون السعوديون عن ثقتهم بأن سعر خام برنت الذي كان لا يقل عن 70 دولارا للبرميل كان مستداما. وانتهى الأمر بالسعودية في دورة انتعاش وكساد وصلت إلى حوالي 50 دولارا للبرميل قبل أن يضرب كوفيد – 19.

ستضطر السعودية في النهاية إلى الاختيار بين زيادة إنتاج النفط أو محاولة رفع الأسعار. ومن غير المرجح أن تتّخذ قرارها النهائي خلال ما تبقّى من السنة الحالية، ولكنها قد تعلن عنه في العام المقبل ليكون متماشيا مع سرعة تعافي الطلب.

تحديات

خلال الاجتماع الاستثنائي الذي عُقد بهدف مواجهة تداعيات الأزمة الصحية على الطلب العالمي على النفط بمقر أوبك في فيينا، اتفق وزراء المنظمة على تخفيض لإنتاج النفط بمقدار 1.5 مليون برميل يوميا.

وهي النقطة التي يمكن مع تعافي أسعار النفط الخام نحو المستوى المطلوب أن يبدأ معها نشاط الحفر في الولايات المتحدة وقرارات الاستثمار في المشاريع النفطية في المناطق البحرية العميقة خلال السنة المقبلة.

وتدرك السعودية أن الضغط من أجل رفع أسعار النفط لإطلاق دورة الانتعاش والكساد للإنتاج خارج أوبك يعدّ أمرا غير مثمر. ولا يقتصر هذا على الصخر الزيتي. وستزيد المشاريع البحرية الكبيرة في النرويج وغيانا والبرازيل (التي تمت الموافقة عليها في 2017 كجزء من صفقة أوبك+) من تفاقم وفرة الإنتاج الحالية، حيث يبقى إنتاج النرويج مرتفعا بنحو 10 في المئة مقارنة بالسنة الماضية في حقل يوهان سفيردروب، حتى بعد أن تقرر خفض الإنتاج بمقدار 200 ألف برميل يوميا لفترة محدودة.

التحدي بالنسبة للسعودية يكمن في التأقلم مع الأزمة بطريقة تمنع امتداد التدافع من إنتاج المزيد من النفط إلى دول أخرى ذات طاقة احتياطية كبيرة

سيكون لإبقاء الأسعار دون 50 دولارا حتى 2021 فائدة إضافية تتمثل في استمرار الانخفاض في الإنتاج الأميركي، والذي كان مدفوعا بإغلاق آبار النفط. ولكن، وحتى مع إعادة تنشيط بعض الآبار، يمكن أن يتسبب النقص في معدلات الحفر في انخفاض الإنتاج الأميركي ليصل إلى حوالي 4 ملايين برميل يوميا بنهاية 2021.

كما ستثني رغبة روسيا في استعادة حصتها في السوق في نهاية المطاف السعودية عن محاولة فرض رفع الأسعار العالمية. فمنذ اجتماع أوبك+ في 6 مايو، أكدت روسيا التزامها بالتخفيضات الحالية، على الرغم من أن وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك ذكر في عدة مناسبات أن الجدول الزمني للتخفيض التدريجي قد يكون مرنا. وكان قد أعلن أن الطلب العالمي على النفط انخفض 20-30 مليون برميل يوميا، قائلا: “بلغنا قاع انخفاض الطلب العالمي على النفط الآن”.

كان من المتوقع أن تزيد روسيا وأعضاء أوبك+ الآخرون خفض الإنتاج الحالي من 9.7 إلى 8 ملايين برميل يوميا خلال الاجتماع المقبل للمجموعة في 9 يونيو. لكن المخاوف بشأن انعكاس إعادة فتح الاقتصادات بسبب الموجة الثانية المحتملة للفايروس، وخاصة في الصين والولايات المتحدة، قد تدفع الأعضاء إلى تأخير هذه الخطوة.

ومع ذلك، وعلى المدى الطويل، سترغب روسيا في استعادة حصتها في السوق في نطاق سعر أعلى وإن كان دون مستوى الخمسين دولارا. ولن ترغب موسكو في الضغط على المخزونات للعودة إلى المستوى “الطبيعي” بسرعة، بعد أن شهدت نتيجة ذلك في الفترة الممتدة من2017 إلى 2019. ومع تراجع الطلب على النفط بسبب الجائحة، تدرك السعودية أنها ستحتاج إلى التأقلم مع أسعار النفط العالمية بدلا من أن تنتظر أن يتأقلم العالم مع أسعار نفطها. وتبقى الحصة في السوق ميزة تتمتع بها السعودية، فكلما كانت أكبر زادت الإيرادات، وإن لم تكن بنفس الدرجة التي عهدتها البلاد.

تخفيض الإنتاج

Thumbnail

أعلنت السعودية أنها ستزيد من تخفيضات إنتاج النفط طواعية بمقدار مليون برميل يوميا ليتقلّص الإنتاج الكلي إلى 7.5 مليون برميل يوميا، كما تراجعت إمدادات تحالف أوبك+ بمقدار 12 مليون برميل. ومع ذلك، تمتلك الرياض حاليا 4.5 مليون برميل في اليوم من الطاقة الفائضة. وستسجّل نسبا أكثر من حقول النفط في المنطقة المحايدة التي تجمعها مع الكويت.

كان الإنتاج السعودي أقل من 9 ملايين برميل يوميا خلال معظم الفترة الممتدة من 2017 إلى 2019. لكن، ومع تعرض الإنتاج الأميركي لضربة كبيرة، ستكون هناك فرصة تسمح للرياض بتوسيع إنتاجها النفطي إلى ما أبعد من ذلك.

هذا ليس سيناريو “حرب أسعار”، ولكنه مماثل لما حدث في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات بعد أن أدركت السعودية أن هناك توازنا قويا في الأسعار التي تراوحت بين 19و20 دولارا للبرميل.

خلال هذه الفترة، أعادت الرياض تنشيط صناعتها تدريجيا، مشيرة إلى أنها لن تسمح للأسعار بالوصول إلى مستوى يمكّن من تحقيق مكاسب غير متوقّعة في أماكن أخرى. لكن الرياض وجدت نفسها أمام ديون كانت ستخلق أزمة لو لم ترتفع الأسعار بشكل حاد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لكن، لا يوجد ارتفاع في الطلب في الأفق من شأنه أن يحسن الوضع هذه المرة.

ويكمن التحدي، بالنسبة للسعودية، في التأقلم مع الأزمة بطريقة تمنع امتداد التدافع من إنتاج المزيد من النفط إلى دول أخرى ذات طاقة احتياطية كبيرة، بما في ذلك روسيا والعراق.

كما سترغب روسيا في الحفاظ على التساوي في الإنتاج مع السعودية، مما سيعزز نفوذ الرياض نظرا لاحتياطاتها الأكبر. وبالمثل، سيكون العراق مدفوعا بحافز لإدارة تخفيضات إنتاجه، حيث ستكون السعودية في وضع يمكّنها من “معاقبة” من يمكن أن يحاول الالتفاف على الآخرين من أجل تحقيق مصالحه الخاصة على حساب غيره.

7