السعودية تتبنى سياسة وطنية جديدة

تراجع المنافع الاستراتيجية الناتجة عن سياسة المحافظة والتشدد، وتحول يفتح المجال للابتكار وتبني الأفكار الجديدة.
الثلاثاء 2019/01/08
رؤية تحقق التوازن بين الماضي والحاضر

يشيد خبراء ومحللون بالتغييرات والإصلاحات التي تسير على دربها المملكة العربية السعودية، معتبرين أنها أفضل ترياق ضد كل ما تتعرض له المملكة من هجمات خارجية خصوصا من دول منافسة مثل إيران وتركيا. وصنف خبراء في مركز ستراتفور للأبحاث الأمنية والاستراتيجية هذا التوجه ضمن سياق تبني سياسة وطنية جديدة تحتاجها السعودية في المرحلة الراهنة وهي بديلة عن سياسة المحافظة الدينية التي تبنتها السعودية في مراحل ماضية لكن أضرارها أصبحت أكثر من منافعها ووجبت مراجعتها.

الرياض - بدأت المملكة العربية السعودية، المعروفة بثقافة مجتمعية غارقة في المحافظة، بإدخال سياسة وطنية جديدة تمنح حرية التعبير لبعض الديانات الأخرى. وتأمل السعودية من خلال تشجيع الوطنية في أن تخلق مساحة للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي تركز على الحداثة، والتي تعد عنصرا أساسيا في خطة رؤية 2030.

وتعتبر دراسة صدرت عن مركز ستراتفور للأبحاث الأمنية والاستراتيجية أن تقوية هذه “الوطنية” ستكون خير داعم للسياسة السعودية الداخلية، كما السياسة الخارجية. ونوهت الدراسة بأن تقليص دور الإسلام المتشدد في السعودية ستكون له فوائده، لكن ذلك يخاطر أيضا بإثارة بعض المقاومة الداخلية لسياسات الحكومة، وهو أمر يمكن أن تقلّص من حدته النجاحات التي يمكن أن تحققها رؤية 2030 الإصلاحية التي يتبناها ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان وتدعمه فيها قاعدة عريضة من الشباب السعودي.

حدود وحدة الإسلام المتشدد

منذ تأسيس المملكة العربية السعودية في عام 1932، شكّلت مجموعة من الروابط القبلية والقرابة والأيديولوجية الدينية الأساس للعلاقة بين الحكّام والمواطنين، مما ساعد على مواجهة التحديات التي كان من الممكن أن تواجهها السعودية من المناطق الأخرى.

وعلى مدى القرن العشرين، رأت السعودية أن فلسفة القومية، التي تعطي الأولوية للولاء للدولة القومية بدلا من الدين، تشكل تهديدا. وفي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، خشيت السعودية من إنشاء علاقات قومية مع منافستها مصر، وأخذت مساحة من القومية العربية التي تبناها الرئيس المصري السابق جمال عبدالناصر، والتي استهدفت الأنظمة الملكية في ذلك الوقت.

وبعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وحادثة الحرم المكي في العام نفسه، ازداد قلق السعودية من تأثير المتغيرات المحيطة إقليميا. لذا، وتجنبا لأي تحد يأتي من الخارج، فقد منحت السعودية امتيازات خاصة لرجال الدين الإسلاميين المحافظين الذين كانوا يتمتعون بتأثير قوي على الشعب السعودي.

لكن بحلول القرن الحادي والعشرين، بدأت المنافع الاستراتيجية الناتجة عن سياسة الإسلام المتشدد في التراجع، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر. وفي عهد العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، عملت الرياض على بناء سياسات تهدف إلى إقامة نوع جديد من الوطنية السعودية مع التأكيد على التاريخ والرموز والطقوس الخاصة بالسعودية. كما تم تصميم هذا النوع من الوطنية السعودية كطريقة جديدة لتوحيد القبائل والمذاهب المتباينة في المملكة، ومحو الاختلافات السابقة التي رسخها الدين في وقت سابق.

في هذه المرحلة من تاريخ السعودية، تجلب سياسة الوطنية فوائد للدولة السعودية أقوى من الفوائد الناتجة عن السياسة الدينية المحافظة، والغارقة في التشدد أحيانا

والآن، تتبنى المملكة سياسة أكثر تسامحا من حيث ممارسات المجتمع الداخلية، فقد تم السماح للمرأة بقيادة السيارة، وتخفيف عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجرى إرساء صناعة ترفيهية تحقق نجاحات، كما أظهرت الرياض تسامحا أكبر تجاه ممارسي الديانات الأخرى، وتعمل على توسيع قوميتها إلى أبعد من ذلك.

وتستحضر دراسة مركز ستراتفور في هذا السياق لقاء القادة السعوديين مع رجال الدين من الإنجيليين الأميركيين والروم الكاثوليك والأرثوذكس طوال عام 2018.

وفي مايو الماضي، وقّعت الرياض اتفاقية للسماح للكنيسة الكاثوليكية الرومانية ببناء الكنائس في المملكة العربية السعودية. وفي نوفمبر، عقد ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان اجتماعا رفيع المستوى مع الإنجيليين الأميركيين في الرياض.

وفي شهر ديسمبر، وللمرة الأولى، سمحت الرياض بإنشاء خدمة أرثوذكسية مصرية داخل المملكة. كل هذه التطورات تشير إلى انحسار قوة الإسلاميين المتشددين الذين كانوا قادرين في السابق على قمع الممارسات المسيحية في المملكة العربية السعودية ومنع السعودية من إقامة العلاقات الرسمية مع الكنائس المسيحية.

وفي حين أن التباين بين النزعة الإسلامية السعودية والديانة المسيحية في الولايات المتحدة كان منذ فترة طويلة عنصرا معقدا في العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية، إلا أن اجتماع الأمير محمد بن سلمان مع رجال الدين المسيحيين يوضح مدى تخفيف الموقف بين الطرفين وإلى أي مدى السعودية مقبلة على ثقافة الانفتاح والتسامح.

كما أن الإعلان عن السماح لأصحاب الديانات الأخرى بممارسة شعائر دينهم في المملكة، حتى لو كان ذلك للأجانب فقط، قد يضعف صورة ثقافة سعودية يحددها المتشددون ويشجع الفكر الوطني على التوسع في المدارس والإعلام والفن.

تغيير غير مؤثر

Thumbnail

يرى خبراء ستراتفور أن سياسة الوطنية تجلب في هذه المرحلة من تاريخ السعودية، فوائد للدولة أقوى من الفوائد الناتجة عن السياسة الدينية المحافظة، والغارقة في التشدد أحيان.

على سبيل المثال، عند تطبيق هذه السياسة الجديدة لن تشجع الهجمات اللفظية التي يشنها رجال الدين الإسلاميين الأتراك والإيرانيين على إثارة الانتقادات من الشعب السعودي، بل إنها ستشجع على رفض التدخلات الأجنبية غير المرحب بها في الشؤون الداخلية.

علاوة على ذلك، فإن تحويل العقلية السعودية بعيدا عن التشدد، يفتح أيضا إمكانية الابتكار واستقبال الأفكار الجديدة، وهي المكونات الأساسية لتحقيق رؤية 2030 الإصلاحية التي تمضي السعودية قدما نحو تحقيق أهدافها مراعية في نفس الوقت خصوصية المجتمع وما تربت عليه أجيال على مدى عقود.

وبالنسبة لأهداف السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية، ترى الدراسة أن السياسة الجديدة تعد أداة مفيدة، خاصة عندما يتعلق الأمر برغبة الرياض في إعادة تشكيل الشرق الأوسط بشكل أفضل يأتي في صالحها. وبدلا من الاعتماد على الولاء القبلي أو الإعانات المالية، أو الدعم الخارجي المتقلب، يمكن للسعودية أن تستخدم الفخر الوطني لتحفيز المواطنين على اتباع سياساتها.

كما أن الدعايات القادمة من الدول المنافسة، مثل تلك التي ترسلها مصادر في تركيا أو إيران التي تحث السعوديين على رفض سياسات حكامهم أو تقويضها، يمكن رفضها بسهولة باعتبارها تلاعبا أجنبيا.

من منظور تاريخي، فإن الرواية التي تؤكد على الهوية الجغرافية للسعودية (الهوية العربية) بدلا من كونها دولة مسلمة فقط، ستكون بمثابة عودة إلى شكلها الطبيعي، حيث قبل مجيء الإسلام إلى الجزيرة العربية في القرن السابع، كانت المجتمعات المسيحية تنتشر في مقاطعة الحجاز الغربية، وكذلك الأديرة على طول الساحل الشرقي للجزيرة العربية. وأغلقت الحكومة السعودية موقعا أثريا مسيحيا واحدا تم اكتشافه عام 1986 خارج الجبيل لعقود. وإذا استمرت السعودية في تقليص القيود المفروضة على المسيحية، فقد تعترف بهذا الشكل بهذا التاريخ بشكل أكثر علنية، وبالتالي تنشئ جذورا أعمق لهويتها الوطنية.

لا ينكر خبراء ستراتفور أن مطالبة الشعب السعودي بإبداء الولاء للمصالح الوطنية تدعو إلى إثارة تساؤلات المواطنين حول ماهية هذه المصالح الوطنية وأن الرأي العام السعودي سيصبح أقل تحفيزا تجاه الأدوات القديمة.

ولا شك في أن التغييرات تحتاج وقتا وستكون محل جدل داخلي، مثلما هي محل أخذ ورد خارجي، إلا أن الخبراء يؤكدون أن إصرار السعودية على التغيير وقدرتها على تأكيد ذلك سيكون خير ترياق ضد مختلف محاولات إبطاء أو عرقلة هذا التغيير، مع التأكيد على أن الأمر لن يمس من مكانة السعودية الدينية ورمزيتها، بل إنه وفق الخبراء يدعهما باعتبارها منارة الإسلام المتسامح.

6