السعودية تتدخل بحزم في اليمن

الجمعة 2015/03/27
وزير الدفاع السعودي بمركز عمليات القوات الجوية لقيادة عملية "عاصفة الحزم"

الرياض – التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تجعل دول المنطقة تشعر بشكل ما، بعدم الاستقرار على المستويين الأمني والدفاعي. وإذا كانت السعودية تسعى إلى تعزيز مكانتها، كدولة رائدة عربيا وإقليميا، عليها أن تتخذ موقعها الاستراتيجي كلاعب أساسي وقوّة مؤثّرة فيما يجري في محيطها العربي، وهو ما يتمّ بالفعل في اليمن، حيث تقود السعودية عملية “عاصفة الحزم” بمشاركة عربية وتأييد دولي لمنع انهيار اليمن، وجعله حامية إيرانية على غرار دمشق وبغداد، وجزء من جنوب لبنان.

“إذا لم يتم التوصل إلى حل سياسي لأزمة اليمن، فإن دول المنطقة ستتخذ الإجراءات الضرورية من أجل حماية مصالحها بوجه العدوان”، تصريح أدلى به الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، بداية هذا الأسبوع، وسرعان ما تحوّل من قول إلى فعل.

وتجسّد هذا الفعل في عملية “عاصفة الحزم” التي بدأت بالضربات الجوية الأولى التي وجهتها الطائرات السعودية، لمعاقل الحوثيين، حسبما أعلن سفيرها في واشنطن عادل الجبير، في الساعة 12 بتوقيت الرياض (21:00 مساء ليلة الخميس بتوقيت غرينتش).

بدت ملامح العملية العسكرية “عاصفة الحزم”، التي أعلنت عنها دول الخليج العربي، عدا سلطنة عمان، ضدّ التمرّد الحوثي استجابة لطلب الحكومة الشرعية. وتحمل في طيّاتها الكثير من الدلالات والأبعاد، ذات الصلة بالوضع في الداخل اليمني والتطوّرات الإقليمية والعربية والدولية.

هذه هي المرة الأولى التي تأخذ فيها المملكة العربية السعودية زمام المبادرة وتقود حربا، حيث اكتفت في حرب الخليج الثانية، بين العراق والكويت (17 يناير إلى 28 فبراير 1991) بالانضمام إلى التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية.

زعيم قبلي في محافظة مأرب يرى أن ضربات "عاصفة الحزم" ضرورية لاستئصال تمدد المتمردين الحوثيين في البلاد

لكن، مع عملية “عاصفة الحزم” أخذت السعودية زمام المبادرة، ووضعت نفسها موضع قوّة، بمعزل عن الإملاءات الأميركية والغربية، وقادت عملية عسكرية عربية يقول خبراء إنها حتما ستؤثّر في مجريات الأحداث وصناعة القرارات الاستراتيجية في المنطقة.

وكان تقرير لمركز أبحاث أميركي استبق العملية بتحليل أكّد فيه أن مجريات الأحداث في اليمن ستصب في صالح السعودية وحلفائها في النهاية. لكن التحليل الأميركي، الصادر عن مركز “ستراتفور”، المعروف بقراءته الاستخباراتية الدقيقة، ويطلق عليه لقب الـ”سي أي أي الخاصة”، اعتبر أن النجاح الذي ستحققه الرياض سيكون على المستوى الحل السياسي، وذهب إلى القول “حتى لو كان لديها وسائل للتدخل، فإنه ليس من الواضح تماما أن السعودية تريد فعلا ذلك”.

وبعد يومين فقط، من نشر التقرير الأميركي، ومع إصرار الحوثيين على ملاحقة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي في محافظة عدن الجنوبية، وما يحمله ذلك من استفزاز حوثي وإيراني، للرياض والدول العربية الداعمة للشرعية اليمنية التي يمثّلها الرئيس هادي، شنّت السعودية، أول ضربة جويّة لكبح جماح الحوثيين، المدعومين من الرئيس اليمني الأسبق، الذي نجا من مصير مشابه لمصير قادة عرب أسقطت أنظمتهم سنة 2011، بفضل المبادرة الخليجية، التي وفّرت له هامشا كبيرا للتحرك وبقي حزبه يعمل ومشاركا كبيرا في الحكم، كما أن له تأثيرا كبيرا على القيادات في الجيش الوطني اليمني.

العملية العسكرية في اليمن
* دول شاركت في العملية: السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن والمغرب والسودان.

* دول أبدت الاستعداد للمشاركة البرية في العملية: مصر وباكستان أبدتا استعدادهما للمشاركة بقوات برية.

* جهات تؤيد العملية: فلسطين ولبنان وفرنسا وبريطانيا الولايات المتحدة الأميركية والائتلاف السوري المعارض.

* تفاصيل مشاركة الدول في العملية العسكرية:

- السعودية تشارك بأكثر من 100 طائرة مقاتلة و150 ألف مقاتل ووحدات بحرية.

- الإمارات 30 مقاتلة، الكويت 15 طائرة مقاتلة، البحرين 15 طائرة مقاتلة، قطر 10 طائرات مقاتلة، الأردن 6 طائرات مقاتلة، المغرب 6 طائرات مقاتلة، السودان 3 طائرات مقاتلة.

ساعة الحزم في سوريا واليمن

جاءت عملية “عاصفة الحزم”، التي أطلقتها السعودية بالتحالف مع عدة دول ضد الحوثيين في اليمن لتفتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت تمثل بداية لعمليات مماثلة في سوريا وليبيا.

ورغم أنه من المبكر اتخاذ مثل تلك الخطوة خاصة وأن العملية العسكرية باليمن، لا تزال في بدايتها، ولم يتضح نجاحها في تنفيذ هدفها المعلن بتثبيت شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، لكن نجاحها ربما يشجع على تكرار السيناريو نفسه في دول عربية أخرى تعاني من القلاقل وعلى رأسها ليبيا وسوريا.

ويشدد الخبراء العرب والدوليون على أن الوضع في اليمن هو “الأكثر إلحاحا”، بعد استنفاد إمكانية الحوار السياسي، وكذلك لخطورة التهديدات التي تشكلها الأوضاع هناك على أمن الخليج.

ويشير زكريا حسين، المدير الأسبق لأكاديمية ناصر للعلوم العسكرية بمصر، إن “الخطر الأكثر إلحاحا الآن هو الأوضاع في اليمن والتي هي بالغة الخطورة وتهدد الجميع، لاسيما الأمن القومي الخليجي، وبالتالي فإن التعامل العسكري، مطروح بقوة مع اليمن بالدرجة الأولى، وليس ليبيا أو سوريا، اللتين تختلف الأوضاع بهما”.

على العكس مما سبق، يرى محمود خلف، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية وقائد الحرس الجمهوري الأسبق، أن “التدخل العسكري في اليمن نموذج قابل للتنفيذ في أي أزمة عربية تهدد الأمن القومي لكن هذا يتوقف على اكتمال شروط التدخل، وهو ما لم يحدث في سوريا وليبيا”.

ويواجه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، مع إطلاقه عملية “عاصفة الحزم”، التحدي الأكبر منذ استلامه سدة الحكم في يناير 2015. ويرى الكاتب والمحلل السعودي خالد باطرفي أنها “المرة الأولى التي يواجه فيها الملك سلمان كعاهل للمملكة تحديا بهذا الحجم ويضطر للرد عليه بالقوة العسكرية”، مشيرا إلى أن التدخل في اليمن “لم يقرر على عجل وسبقه تنسيق عربي”. وأضاف باطرفي “أتوقع أن تنال جميع الجماعات الإرهابية في اليمن نصيبها من ‘عاصفة الحزم’، ولعلها فرصة مواتية لتخليص اليمن من الإرهاب والإرهابيين بضربة واحدة وإعادة اليمن إلى دوره البناء في المنطقة العربية”.

الأمير محمد بن سلمان يدير أول حرب تقودها السعودية
تولى الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع السعودي، إدارة أول حرب تقودها بلاده والتي حملت عنوان “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين في اليمن.

وذكرت وكالة الأنباء السعودية أن الأمير محمد بن سلمان (35 عاما) أشرف على الضربة الجوية الأولى على معاقل الحوثيين في اليمن، حيث وصل إلى مركز عمليات القوات الجوية لقيادة العملية، لمتابعة التطورات.

وبث التلفزيون السعودي لقطات للأمير محمد بن سلمان من داخل غرفة العمليات، كما بثت لقطات أخرى لاستقبال الأمير محمد بن نايف، ولي ولي العهد، ووزير الداخلية، حيث اطلع من وزير الدفاع على تفاصيل الخطط والعمليات العسكرية، وذلك قبل انطلاق الطائرات السعودية مباشرة، وفق التلفزيون السعودي.

وذكرت الوكالة السعودية أن أهم الأهداف التي تم توجيه ضربات جوية لها هي قاعدة الديلمي والشرطة العسكرية والقصر الرئاسي والفرقة المدرعة الأولى والقوات الخاصة، قيادة قوات الاحتياط في صنعاء، قاعدة العند في لحج جنوبي اليمن، مواقع عسكرية في صعدة، مقعل الحوثيين.

السعودية تتحرك

بعد امتداد النفوذ الإيراني إلى العراق وسوريا ولبنان ومحاولات إثارة الفتنة في البحرين، بات الحوثيون المدعومون من طهران يمسكون بزمام الأمور في عاصمة اليمن الواقع في جنوب غرب السعودية، وبمتناولهم مضيق باب المندب.

وتمكنت السعودية من تشكيل تحالف عربي إسلامي قوي لدعم العملية التي تقودها في اليمن، وقد اعتمدت بذلك على نفوذها الكبير تستمده خصوصا من كونها أرض الحرمين الشريفين ومن ثرواتها الطائلة ومن كونها أكبر مصدر للنفط في العالم. وقد يساهم هذا التحالف في إعطاء دفع لإنشاء القوة العربية المشتركة التي تبحثها الجامعة العربية في قمة شرم الشيخ.

وقال العقيد الأميركي المتقاعد ريك فرانكونا إن حجم القوات السعودية المشاركة بالعملية في اليمن يدل على تحرك عسكري واسع وطويل، متوقعا أن تتمكن الرياض من التعامل مع أخطاء الحوثيين وداعش والقاعدة.

ويشدد العقيد الأميركي على أن الرياض لا يمكن أن تقبل تمدد إيران على حدودها الجنوبية كما يحدث بحدودها الشمالية.وتوقع أن يكون هذا التحالف يجرى الإعداد له منذ فترة طويلة. وتابع: “السعوديون يأخذون الأمور على محمل الجد وسيتدخلون لإصلاح الأمور بجدية في اليمن ولديهم القدرة”.

ويتوقّع الخبراء أن تحرّك إيران أذرعها في اليمن، لكنهم يؤكدون في نفس الوقت أن إيران قد تستنزف نفسها بتدخلها في اليمن، خاصة وأن بيئة الصراع وأطرافها تختلف عن العراق وسوريا. فالحوثيون أنفسهم، لا يمكن الاعتماد على ولائهم العقائدي، مثلما هو الحال مع قوات الحشد الشعبي في العراق. أيضا، يتوقّف الخبراء عند الدور الجوهري الذي يلعبه الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح، مؤكدين أنه لولا دعمه للحوثيين لما تمكّنت الجماعة من التقدّم.

وبينما توقّع بعض الخبراء بأن تجبر العملية العسكرية الضخمة التي تقودها السعودية الحوثيين على تغيير مسارهم، نحو محافظات يمنية أخرى، وتصعيد تهديدهم للحدود السعودية، بتحريض من إيران، يشير تحليل مركز “ستراتفور” إلى أن الحوثيين محاصرون من كلّ الجهات؛ وحتى لو قررت جامعة أنصار الله الحوثية تغيير المسار، فإن السعودية جاهزة للدفاع عن نفسها.

من الجنوب تسيطر السعودية على حدودها جيّدا حيث لديها بالفعل سياج متين ومعدات مراقبة على طول الحدود.

185 طائرة تشارك في "عاصفة الحزم" التي تقودها السعودية ضد الحوثيين

وقد حاولت ميليشيات الحوثي اختراق الحدود في عام 2009، لكنها لم تتمكن من تجاوز الجبال. وكان الجيش السعودي قادرا على احتوائهم هناك واستخدم الضربات الجوية للقضاء عليهم.

الجزء الشرقي من الحدود في حضرموت هو عبارة عن صحراء مفتوحة مع غطاء بسيط يمنع من التوغل داخل الأراضي السعودية. بالإضافة إلى طائرات استطلاع يمكنها استهداف المركبات البرية من مسافات بعيدة، وسيكون الوصول إلى أي مدينة سعودية أو حتى أحد الطرق يتطلب عبور مئات الكيلومترات من الصحراء.

ويبدو أن الغرب وفق التحليل، هو المكان الوحيد الذي يمكن أن يكون ناجحا في عملية التوغل لوجود الجبال والطرق والناس هناك، وهو يقع في منطقة متاخمة لمعقل الحوثيين في صعدة. مع ذلك، فإن الجيش السعودي لديه القدرة الكافية على نشر القوات التي يفوق عددها المقاتلين الحوثيين.

ربما يستمر القتال لبعض الوقت، ولكن في النهاية، ستمنع القيود الجغرافية والسياسية طهران من تقويض دور الرياض في اليمن؛ وسيعجز الحوثيون على الصمود وعلى اختراق المجال السعودي، لأن السعوديين يملكون الأسلحة المدفعية والجوية، ويملكون الدعم العربي الذي لن يسمح لإيران بضمّ صنعاء إلى دمشق وبغداد، مثلما حصلوا على التأييد الغربي، الذي لن يسمح بتهديد الأمن الملاحي الدولي في مضيق باب المندب.

7