السعودية تحجم دور إخوان سوريا تفاديا لتكرار التجربة المصرية

الخميس 2013/10/24
"وصول الجربا إلى رئاسة الائتلاف خطط له في الاستخبارات السعودية"

تصاعدت حدة انعدام الثقة المتبادلة بين السعودية وجماعة الإخوان المسلمين بأفرعها المنتشرة في دول الشرق الأوسط، منذ اندلاع ثورات «الربيع العربي»، ودخلت مرحلة جديدة من الخلاف العميق حول الرؤى الإقليمية، وخاصة بعد قرار المملكة تقديم الدعم لقادة الجيش المصري في الإطاحة بالتنظيم من السلطة، في أعقاب احتجاجات شعبية ضخمة طالبت بتخلي الرئيس السابق محمد مرسي، المنتمي للإخوان المسلمين في مصر، عن السلطة.

لكن اتحاد الهدف بين الرياض والتنظيم، بفرعه السوري، في إزاحة الأسد، وترسيخ دعائم نظام جديد يحمل مرجعية سنية في دمشق، يطرح تساؤلات عدة حول شكل هذه العلاقة المتوترة بطبيعتها، وتأثيراتها على مسار الحرب الأهلية ونتائجها المستقبلية.

السعودية وقطر وسوريا

ازدادت الأمور تعقيدا عندما أخذت الرياض زمام المبادرة في الأزمة السورية بداية من شهر مايو الماضي.

قبل ذلك كان الأمر كله يتعلق بالإرادة القطرية، ودعمها المستمر للإخوان المسلمين وتجهيزهم للعب دور محوري في سوريا ما بعد الأسد.

ولم تترك قنوات الدعم العسكري واللوجستي المفتوحة بين دمشق وطهران وحزب الله اللبناني، المجال أمام السعودية والإخوان للانتظار طويلا دون الدخول في مرحلة تعاون، تبدو مؤقتة ومحددة بسقوط نظام الأسد. لكن هذا التعاون لن يتطور، بأي حال من الأحوال، لكي يصل على مرحلة الازدهار التي شهدتها العلاقات بين الجماعة الأم في مصر والرياض التي شهدتها حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، إبان حكم الرئيس المصري جمال عبدالناصر.

فقد بدأت المملكة تتعرف لأول مرة على إخوان سوريا عن قرب في أعقاب التمرد الذي نظمه التنظيم في أواخر سبعينات القرن المنصرم، وحملة القمع الوحشية التي تعرض لها في بداية الثمانينات، على يد الرئيس السابق حافظ الأسد، والتي اضطر على إثرها آلاف المنتمين إلى التنظيم للهروب إلى الأردن والعراق، وبنسبة أقل إلى تركيا والسعودية.

خلال ذلك سمحت السعودية لإخوان سوريا بممارسة العمل السياسي ولكن بضوابط محددة، جعلت من هذا العمل يبدو سريا، ولم تضغط على أعضاء التنظيم أو تمنعهم من التحرك التنظيمي، أو توقف عملية استعادة البناء الهيكلي المتداعي، طالما التزموا بهذه الضوابط التي وضعتها السلطات أمامهم، حتى وصل الأمر إلى سماح السعوديين بدخول اثنين من كبار القادة التنظيميين والروحيين للجماعة، حسن الهويدي من دير الزور، وعبدالفتاح أبو غدة أحد أكبر المرجعيات الفقهية للتنظيم في حلب.

ومع صعود قطر كلاعب محوري يحمل أجندة الإخوان المسلمين في المنطقة، اضطرت السعودية إلى إجراء عملية إعادة تقييم للموقف، وخاصة فيما يتعلق بالملف السوري، الذي شهد تقدم الإخوان المسلمين إلى الصفوف الأولى بفعل الدعم الكبير الذي يصل إليهم من الدوحة.

والحقيقة هي أن تنظيم الإخوان المسلمين لم يكن وحده هو من يتبنى التطلعات القطرية في سوريا، ولكن كانت هناك مجموعة من النشطاء المحليين هي من تهيمن على «المجلس الوطني السوري»، وما انبثق عنه فيما بعد من كيانات تبلورت داخل «الائتلاف الوطني السوري المعارض». هذه المجموعة مثلت، بقيادة مصطفى الصباغ، حصان طروادة الذي طالما احتل المراكز المتقدمة داخل فصائل المعارضة السورية بفضل تصويت الإخوان له، وهو ما أثار القلق في الرياض.

مع حلول شهر يوليو أصبحت السيطرة السعودية على الملف السوري سارية المفعول، عندما ظهرت قيادة جديدة للائتلاف الوطني المعارض، أحمد الجربا، السياسي ذو الأصول البدوية، والذي يوصف بأنه رجل الرياض الأول داخل صفوف المعارضة. فقد مثل فوز الجربا بأعلى مقعد في قيادة الائتلاف الوطني المعارض مرحلة جديدة من صراع القوة السعودي – القطري، وبات تأثير تنظيم الإخوان السوريين محدودا، مع انزواء الصباغ، وصغر تأثيره على عملية صنع القرار داخل المطبخ السياسي للمعارضة السورية، وبالتالي بدأ الإخوان المسلمون يبحثون عن حليف جديد، يمكنهم من خلاله البقاء تحت دائرة الضوء.

لم يكن هذا الحليف الذي أخذت الجماعة تبحث عنه من بين جميع الأطراف الدولية والإقليمية التي تحاول التأثير في الملف السوري، غير السعودية.

وقتها ظهر فاروق طيفور، الذي يشغل منصب الرجل الثاني في تنظيم الإخوان السوريين، والرجل الثاني أيضا داخل الائتلاف الوطني المعارض، على السطح كهمزة وصل أولى مع الرياض. فقد دعا طيفور، خلال الانتخابات الداخلية للإئتلاف، إلى التصويت لصالح الجربا، وهي الخطوة التي وصفها مراقبون على أنها طرح لأوراق الإخوان على طاولة السعوديين.

لم تكن دعوته للتصويت لصالح أحمد الجربا هي النقطة المحورية الوحيدة في عملية إعادة علاقات الإخوان مع الرياض مجددا، لكن قنوات الاتصال بين طيفور من جانب وسعد الحريري وعقاب صقر في لبنان من جانب آخر، بما هو معروف عنهما من كونهما نقطة اتصال هامة بين الرياض والفصائل المقاتلة في الداخل السوري، ساهمت كذلك في بناء هذه العلاقة.

سيسي سوريا

بعد سقوط نظام الإخوان المسلمين في القاهرة، وظهور الموقف السعودي الداعم للجنرال السيسي بوضوح، لم تتوقف الضغوط، التي تصاعدت حدتها على طيفور من داخل تنظيم الإخوان في سوريا في ذلك الوقت، على التيار القطبي فقط، ولكنها امتدت بشكل أو بآخر، لتشمل حلفائه في قيادة حلب وإدلب، وهي ضغوط تنبني في جوهرها على الخوف من سعي الرياض إلى إحداث انقسامات وانشقاقات داخلية بين صفوف التنظيم بتحالفها مع طيفور، ومن ثم نجاحها في كسر عنق الإخوان والإطاحة بهم من المشهد السياسي، وعدم الانتظار حتى سقوط نظام الأسد.

ما زاد الأمور تعقيدا في العلاقة بين الطرفين، هو التقارب الذي حدث بين السعوديين من جانب وأحمد رمضان، عضو الإخوان المسلمين الذي أعلن انشقاقه عنهم منذ عدة سنوات، وأسس بعد قيام الثورة السورية إئتلافا معارضا آخر، أطلق عليه اسم «مجموعة العمل الوطنية».

شبكة معقدة

أما على الصعيد الميداني، بدأ التنظيم في إنشاء شبكة معقدة من العلاقات مع فصائل المعارضة السورية في الداخل، وبدأ، بالتوازي مع ذلك، في جمع فرق متناثرة من المعارضة المسلحة تحت مظلة تنظيم، أطلقوا عليه اسم «درع الثورة».

لكن الضغوط التي تتعرض لها الجماعة خارج سوريا لم تكن وحدها هي من يحدد المسارات التي تختارها قيادة التنظيم الحالية، فقد عبرت بعض المصادر داخل الجيش السوري الحر عن أملها في أن يستمر الدعم السعودي للجيش الحر حتى بعد سقوط الأسد «عندها سنستخرج تصريحات قضائية بالقبض على جميع قادة الإخوان المسلمين، ومصادرة أسلحتهم وإغلاق مقراتهم، وخاصة مقرهم الجديد في حلب، ولكننا نحتاج في ذلك إلى سيسي جديد في سوريا».

انعكاسات التغيير الذي شهدته الساحة السياسية المصرية على العلاقات بين إخوان سوريا والرياض، لم تتوقف على تعبير التنظيم عن ضيقه وقلقه تجاه دعم السعودية للفريق أول عبدالفتاح السيسي فقط، لكنها امتدت لتثير مخاوف قادة التنظيم من أن السعوديين قد يخططون لدعم دكتاتور جديد ذي خلفية عسكرية في سوريا، والذي يمكن أن يكون واحد من جنرالين كبيرين انشقوا عن النظام السوري هما مناف طلاس ابن وزير الدفاع الأسبق، أو علي حبيب رئيس الأركان السابق. في الوقت نفسه، بدا أن تكرار السيناريو المصري داخل سوريا ما بعد الأسد، أصبح يمثل الهاجس الأكبر لقيادات الإخوان المسلمين هناك، وباتوا يدركون معه أن العلاقة التي يحاول التنظيم تطويرها مع الرياض مؤقتة، وأنها لن تستمر بعد سقوط الأسد لأكثر من ساعات قليلة.

6