السعودية تحكم قبضتها على الأموال العامة

تزايدت الإشارات على أن السعودية بدأت تشدد قبضتها على الإنفاق الحكومي، بعد خطوات حكومية تهدف لخفض العجز الكبير في الموازنة الناتج عن تراجع العوائد النفطية.
الثلاثاء 2015/10/13
خفض الإنفاق لم يصل بعد إلى المشاريع الحكومية الكبرى

الرياض- كشفت مصادر مطلعة أمس أن وزارة المالية السعودية أصدرت تعليمات للجهات الحكومية بإعادة ما لم تنفقه من أموال مخصصة لمشروعاتها في ميزانية هذا العام وذلك في إطار سعيها لترشيد الإنفاق في ظل هبوط أسعار النفط.

وعلى مدى الأعوام الماضية التي شهدت طفرة نفطية، كانت الرياض تبدي مرونة في صرف المبالغ الفائضة من الميزانية المخصصة للأجهزة الحكومية بنهاية كل عام مالي، عبر ما يعرف بالمناقلات بين بنود وبرامج ومشروعات الميزانية.

لكن المصادر أكدت لرويترز أن الوزارة أخبرت الجهات الحكومية هذا العام بأنه في حال عدم إنفاق المبالغ المخصصة لكل مشروع، يجب إرسال هذه الفوائض لها مرة أخرى. ولم يتسن الحصول على تعقيب من وزارة المالية.

ومنذ منتصف 2014 انخفضت أسعار النفط إلى أكثر من النصف. ويتوقع صندوق النقد الدولي ومحللون أن تسجل المملكة عجزا قياسيا في الموازنة قد يتجاوز 120 مليار دولار هذا العام. ولتغطية هذا العجز لجأت الحكومة لسحب أكثر من 80 مليار دولار من الاحتياطيات الخارجية منذ أغسطس العام الماضي.

ويسود اعتقاد بين الكثير من المسؤولين ورجال الأعمال والمواطنين العاديين بأن فترة من التقشف النسبي، باتت تلوح في الأفق مع سعي وزارة المالية لتشديد السيطرة على الإنفاق. ويقول الاقتصادي السعودي فضل البوعينين “السعودية باتت تركز على كفاءة الإنفاق الذي يستدعي الضبط وتشديد الرقابة المالية”.

فضل البوعينين: السعودية أصبحت تركز أكثر على كفاءة الإنفاق وتشديد الرقابة المالية

ويضيف أن “إيقاف المناقلات بين بنود الاعتمادات المالية له علاقة بتحقيق الكفاءة من الاعتمادات المالية بحيث تستثمر في المشروع الذي رصدت من أجله، وإذا كان هناك فائض فمن الأفضل أن يستثمر لتمويل مشروع يتم اعتماده وفق الحاجة والضرورة”.

وكان وزير المالية إبراهيم العساف قد أكد أن الرياض بدأت في خفض النفقات غير الضرورية مع مواصلة التركيز على مشروعات التنمية الأساسية في الصحة والتعليم والبنية التحتية لما لها من أهمية للنمو على المدى الطويل. لكنه لم يذكر تفاصيل خفض الإنفاق على المشروعات غير الضرورية. وفسر محللون تصريحاته بأنها إشارة على خفض الإنفاق في بعض نواحي ميزانية العام القادم.

وخلال الأيام الماضية انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي وثيقة أرسلتها الوزارة للجهات الحكومية تطالبها بوقف شراء السيارات والأثاث وإيقاف التعيينات والترقيات على كافة السلالم الوظيفية الحكومية.

وقال مازن السديري رئيس الأبحاث لدى الاستثمار كابيتال إن تلك التعليمات إجراء روتيني يصدر عن الوزارة بنهاية كل سنة مالية ويخص الربع الأخير من العام وذلك قبل إعداد الموازنة الجديدة.

وأضاف أن “الاقتصاد الحكومي يمر بمرحلة تحول… ما يثير مخاوف الناس هو أنهم لا يفهمون أن التحول لا يعني أن الوضع الاقتصادي سيصبح أسوأ… الدولة لن تتوقف عن الإنفاق لمساعدة القطاع الخاص وخلق فرص العمل”.

ومن المستبعد أن تعاني السعودية من أي أزمة مالية قريبا إذ أن صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي، لا يزال عند مستوى هائل بلغ 655 مليار دولار في أغسطس وفقا لأحدث إحصاءات رسمية. ويعتقد الإنفاق الحكومي تجاوز منذ بداية العام، المستوى القياسي المخصص في ميزانية 2015 البالغ 229 مليار دولار.

ويرجع ذلك لأسباب من بينها أمر العاهل السعودي الملك سلمان بصرف مكافآت سخية لموظفي الدولة والمتقاعدين وزيادة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية عندما تولى الحكم في يناير في حزمة تقدر بنحو 25 مليار دولار. كما أن الحملة العسكرية التي تقودها الرياض في اليمن قد تكلفها مليارات الدولارات بنهاية العام الجاري.

عبدالوهاب أبوداهش: الخطوات الحكومية تعطي إشارات على إعادة ترتيب الحكومة لأولويات الإنفاق

وتظهر جوانب أخرى تباطؤ الإنفاق الحكومي. فقد أجازت وزارة المالية عقودا لمشروعات جديدة بقيمة 28.3 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام بانخفاض 38 بالمئة عن العام السابق.

وتمثل تلك العقود جزءا محدودا من الإنفاق الحكومي، إذ يجري تنفيذ المشروعات الكبرى خارج إطار الميزانية، لكن ذلك التراجع ربما يعكس بداية توجه حذر بين المسؤولين.

وفي تسعينات القرن الماضي عندما هبطت أسعار النفط إلى 20 دولارا للبرميل خفضت الحكومة الإنفاق الإجمالي بنحو 10 بالمئة خلال بعض السنوات وقد يكون رد فعل مماثل أمرا محتملا العام المقبل.

وتؤكد السعودية أنها ستسعى لترشيد الإنفاق على الرواتب والمكافآت لموظفي الدولة والتي تمثل 50 بالمئة من الموازنة، لكن يعتقد أنها لن تفعل ذلك بسبب حساسية الأمر، وهو ما يجعل مشروعات البنية التحتية واستثمارات الدولة عرضة بشكل أكبر لخفض الإنفاق.

ويقول الاقتصادي السعودي عبدالوهاب أبوداهش إن الوضع الاقتصادي لا يزال جيدا ومؤشرات النمو منذ بداية العام إيجابية، ما يجعل الحديث عن خفض كبير في الإنفاق أمر سابق لأوانه. ويضيف “لكن تلك الخطوات وتأجيل عدد من المشروعات يعطي إشارات على إعادة ترتيب الحكومة لأولويات الإنفاق”.

وقال مصدر بوزارة المياه والكهرباء إنه لم يجر ترسية أي مشروع جديد خلال الأشهر الأربعة المنصرمة رغم طرح عدد من المشروعات في وقت سابق من العام. وأكد أنه لم يجر إلغاء أي من تلك المشروعات مما يشير إلى احتمال المضي قدما في تنفيذها خلال 2016.

وكشفت مصادر لرويترز أنه تم في الأشهر الماضية تقليص خطة لبناء ملاعب الكرة وإلغاء عقد بقيمة 201 مليون دولار لشراء قطارات سريعة كما تباطأت عملية توسعة أحد الحقول النفطية.

10